حزنت حزنا غامرا لوفاة فاروق عبد القادر الناقد الشهير، ورغم أن الصلة بيننا كانت منقطعة منذ سنوات، خصوصا بعد أن تعرّض لي وآذاني في إحدى حملاته التي كان يندفع فيها كالعاصفة الهوجاء، لكننى لم أفقد احترامي له قط، ولم أنس ديني له في مطلع حياتي النقدية، فقد عرفني فاروق عبد القادر بعد مقالاتي الأولى منذ منتصف الستينيات، ودعاني إلى كتابة مقال عن “محمد مندور والتراث النقدي” فى ملف خاص بمناسبة ذكراه، وكان محمد مندور قد توفي سنة 1965 وأحسب أن هذا الملف كان في السنة الرابعة من وفاته. ومنذ أن نشر فاروق المقال أصبح بمثابة أخ أكبر لي، يرعاني ثقافيا ويزودني بالكتب التي لم أقرأها، ويحدثني عن أهم مبدعي العالم العربي، وكان يعرفهم ويعرفون قيمة ما كتبه عنهم. وظلت علاقتنا طيبة إلى أن وجد نفسه في الشارع بعد أن أوقف السادات مجلة “الطليعة”، التي كان يعمل مشرفا على ملحقها الثقافي، وقد نجح في عمله إلى الدرجة التي جعلت من هذا الملحق أهم إصدار ثقافي في وقته. وبعد أن خرج فاروق من “الطليعة” لم يجد لنفسه عملا ثابتا، وأبت عليه عزة نفسه أن يقبل العمل في مؤسسات ثقافية تابعة للدولة التي لم يكف عن نقدها وإدانتها ورفض العمل فيها أو حتى التعاون معها. وأذكر أن المرحوم الدكتور علي الراعي أوصاني بالاستعانة به في أول مؤتمر أقامه المجلس الأعلى للثقافة عن الرواية، فاتصلت به طالبا العون، ولكنه رفض في عنف، ومع ذلك ظلت علاقتنا يميزها الاحترام والتقدير، وظل هو على نأيه وهجره المؤسسات الرسمية الثقافية، ولم يتوقف عن هجومه العنيف على كل من كان يراه مستحقا للهجوم، وكان على حق في أحيان غير قليلة، ولكنه لم يكن منصفا في بعض الحالات. ومع ذلك، فقد كان كل من يعرفه يحترمه لثقافته الشاملة العميقة، وبصيرته النقدية النافذة، وتحليلاته المرهفة، وتفسيراته المبتكرة، وما أكثر النقد الذي كتبه فاروق عبد القادر وأعجبت به، بل أفدت منه، ولكن الزمن كان يباعد ما بيننا لتنافر الطباع، فقد ظللت على النقيض من حدّيته العنيفة ومن تقلباته المزاجية الأعنف، فانقطعت المسافة بيننا في السنوات الأخيرة، ولكن لم أتوقف عن تقديره والإيمان بقدراته النقدية الفذة، التي كانت تترك في وجداني وعقلي أعمق الأثر، أما أسلوبه الذي كان يكتب به نقده فكان أسلوبا مميزا لم يخل من ذوق قط مع فصاحة لا تخطئها العين، ورهافة ودقة في التعامل مع الكلمات التي هي على قدر المعنى وموصلة إليه من أخصر سبيل.