صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

هوب المالية

د·عائشة بالخير
مصطلحات كثيرة تتفاعل وتنصهر في اللغة واللهجة كسرعة تفشي السكري وأمراض القلب بين فئة المواطنين منذ طفرة النفط إلى عصر النهضة العمرانية الحالية· وعندما جلست بين معاصري هذا التحول لمست تفاصيل الحديث الذي ميعه الغريب وفقر التعبير حتى أصبح في مراحل متقدمة وغير قابل للتصحيح أو العلاج· فقضيت ثلاثة أشهر من حياتي بحثاً عن ما يسند نظرية ''هوب المالية'' ففي لهجتنا المحلية ''هوب'' تعني قف أو تمهل، وعلى غير ذلك ماورد في لسان العرب بأن الهوب هو اشتعال النار ووهجها وهي أيضاً تعني البعد·· فقال صاحب الطرب: ''هوب المالية'' مصطلح يستخدم في التخميرة أي عند الانتقال من أغنية أو مزاج أو لحن إلى آخر قد يشبهه فى المضمون وقد يتغير عنه تغييراً جذريا إلا أنه يفى بالغرض الذي وظف له· فقررت البحث مجدداً لربط ذلك بموسيقى البر والبحر حيث تشيع هذه العبارة في أوساط فنون الرقص والغناء وأدركت مدى خطورة البحث وهامشية الجدل· وتطلعت لما أورده الدكتور فالح حنظل عن الشلات التي تداولها أبناء البادية عندما يقومون بسحب حبل الرشاء من البئر ''هوب شيل البل هوب هيل البل'' ولم يأت بشرح للكلمات أوتعليلها· وتمعنت في كلمة ''المالية'' والمشتقة من أغاني اليامال· وتذكر الدكتورة حصة الرفاعي انه عندما تبلغ السفينة البحر تتغير النهمة لتغير حركة المجداف لدى استعماله في المياه العميقة· فيغني البحارة على جر المجاديف لونا من الألحان البحرية المعروف باليامال، وهو نوع من الغناء يستهله النهام بكلمة يامال فيردد: هو يامال يامال يامال· ويذكر لنا المرحوم حارب راشد الحارب أن هناك ارتباطا وثيقا بين الموال في الخليج وبين اليامال، وإن كانت كلمة يامال سواحلية تدل على معنى معين إلا أنها واضحة لدى رجال البحر فهي لزمة تستعمل لجر الحبل أو رفع الشراع فكان اليامال مصاحباً لصوت النهام يرتفع إلى عنان السماء محلقاً بأشعار سباعية أو خماسية أو رباعية تفوح بالرجولة والحب والأمل وتعبق بالذكريات الجميلة· ومصطلح ''هوب المالية'' يستخدم في فنون عدة كالمعلاية، النوبان، الليوا والزار، ويستخدم على نفس منوال استخدامات النهام لليامال، فيأتي للتغيير والتحول أو الوقوف على شيء للنزول في شىء آخر· وعندما سَردتُ مخرجات بحثي وعرضت تلك العلاقة لصاحب الطرب: نظر اليّ ملياً ثم قال هذا دليل قاطع على ارتباط فنون البحر بالبر وعن الدور الرئيسي الذي لعبه النهامون خاصة اصحاب الأصول الأفارقة منهم في الحفاظ على استمرارية وملازمة أغاني البحر لتعابيرالحياة اليومية على مدار السنة فحشروا جمل النهمة في فنونهم المحلية· ثم نظر حوله وكأنه يبحث فيما ورد عن أسماء وقصص وخراريف وأدرك أن المغرب قد آن فاستأذن وسار يعرج إلى المسجد· لقد كانت لحظة لن أنساها فهي كالفرج بعد الكربة أو كالبكاء عند الفرح· وبقيت في مجلسه بين عبير الماضي وذكريات مستقبلية

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء