في رأس الخيمة، بكت النخيل وصار الصهيل عويلاً واكتأب الرمل مخضباً بغباره، وعثراته وأعجاز الجذوع المتهاوية الزاوية، تحكي قصة بلد كانت خضراء، يانعة يافعة، وأصبحت صفراء عاجفة راجفة، يستخف بها السوس الأحمر والملح الأغبر، ولم يبق إلا أطلال وحزام شاحب صاخب بالفجيعة وويلات الأيام التي هاجرت وهجرت نخلها وأصلها وفعلها، وصارت المساحات التي كانت قشيبة وخصيبة، مجرد ملاعب مفتوحة للجرذان والفئران والثعابين والثعالب· وقوف النخل الراعف بالأسى، إنما هو صرخة المستغيث، لعل وعسى تلتفت إليه عيون ترفع عنه الضيم وظلم المنون والقهر المكنون لعل وعسى تمتد إليه الأيدي لتقول للجفاف المحدق المتمكن كفى هذه أرضنا، ولابد من الرعاية والعناية والاهتمام بحبات التراب التي أعطت وأسخت في عطائها ومنحت الكثير من رطب الحياة وحطب النجاة ومهما ارتفعنا في البنيان وشيّدنا وتطورنا لن يكون الاسمنت في يوم من الأيام، أكثر وسامة وابتسامة واستدامة وقوامة وإقامة من جذع نخل يمد ويسد ويرد كل ضيم وغيم ولن يكون غبار الاسمنت ظلاً بديلاً لظل الشجر الوفي، الحفي بالاعتزاز والفخر·· يجب أن تعيد هذه الإمارة الراضية المرضية النظر وتمنع بكل عزم وإرادة وحزم هذا الفقدان، وهذا الخسران وهذا الطوفان وألا تكتم سراً على النخل الواقف بجوار الواقفات سهواً في كبد السماء، إنها الأهم وإنها الأشم وإنها الأحق في استحقاق الاهتمام والاحترام والالتزام نحوها كشجرة كرّمها وأجلها فلماذا نحن نتخلى عنها ونصد عنها ونتنحى بعيداً عن جذرها وفرعها· ولا نحمل طرفاً واحداً المسؤولية بل إن كل إنسان يعيش على هذه الأرض مسؤوليته وأولويته الانتباه دون اشتباه إلى أخضر النخل وأجدر الأصل ولا عذر لأي إنسان فالجهد يجب أن يكون متكاملاً متواصلاً متكافلاً من الجميع لحماية نخيلنا ووضعها في مقام الروح والجسد، المسؤولية مسؤولية الجميع، لأن فضل النخلة كان على الجميع، الأمر الذي يجعل قضيتها قضية وطنية ولا مجال للأعذار والأهواء والرغبات التي ما نتج عنها غير تهريب وتخريب وتسريب الضمائر، حتى أصبحت تعمل بالريموت كونترول بلا وازع ولا زرع ولا منازع· محتاجون إلى تغطية في لحظة تستدعي وضع ''الحابول'' على الأكتاف من أجل زرع وضرع وحرث ونسل·· محتاجون إلى صحوة تطرد الغفوة وتضع مسؤولية النخل في مقلة العين وشامة على الجبين، تضع النخلة تاجاً على رؤوسنا وسياجاً لنفوسنا، وضوءاً وهّاجاً لدروبنا· فلسنا نحن أول الداخلين في مرحلة التطور، بل سبقتنا أمم وشعوب، فاستطاع غيرنا أن يحقق انتصاراً باهراً وزاهراً في مجال التقدم والازدهار، لكنه لم يتخلّ عن طبيعته ولم يزم الشفتين عن بيئته، بل إن الاهتمام بالبيئة جزم من وعي الإنسان وتفكيره المتقدم ونظرته المتفتحة إلى محيطه وما يدور من حوله، وما ينبت على أرضه·· قمة التقدم أن تعنى بما تنبت الأرض، وما تزخر به من خيرات لأنها الرصيد والمخزون الذي لا يجب التخلي عنه بأي حال من الأحوال·· والنخلة في بلادنا شكلت تاريخا، وإرثاً حضارياً على مدى الزمن ووقفت دائماً شامخة تهب الحياة للناس يوم كانت ''مخرافة'' الرطب، بمثابة الأسهم في سوق الأوراق الخضراء·· فلنتطور ونكبر، ولتكبر معنا النخلة وتخضر، لنرتفع بها وتسمو بنا، وتمنحنا حق البقاء دون تكلف أو زيف