هناك بعض الأمكنة تفرض حبها، وتلقي بثقل حضورها، وإن غيّبتك الطرق، وغربتك الحياة، يظل لجلال ظلها الذي يتبعك ويتعبك هوى، ويظل قلبك يتقافز إن ذكرت قدامك بالخير أو غيره، لا تمر همساً أو صمتاً بجانب من أركانها، إلا واختظلت عضلة القلب، أو تسربت إلى أعضائك رائحة لشيء ما، كنت وما زلت تحبه، رائحة لم تسكن بعيدة عنك يوماً·· الاتحاد واحدة من هذه الأشياء التي ترمي بثقل حبها عليك، ولا تجسر أن تقول لها يوماً لا، تعتقد أنها والمدينة التي تحب صنوان، لا تتصور يوماً أن إحداهما ستتخلى عن الأخرى، هكذا طبيعة بعض الأشياء، تخلق الأخوة بينهما من قبل ومن بعد· الاتحاد·· بالنسبة لجيلي كبرت معنا، وكثيراً لنا، وقليلاً بنا، كنت أتلقاها رثة مقروءة، في حجمها الصغير، والمطبوع ربما في بيروت، أو في مكان آخر·· وأنا أخطط وألون جريدة الفصل الابتدائي الحائطية، ثم كبرت حينما قام الاتحاد، وبدأت المدينة تكبر، وتسمت عاصمة لذلك الوطن الوليد، يومها بدأت الجريدة عنواناً يومياً لما يجري من تغييرات وتحولات ورهانات من أجل مستقبل حمله على أكتافه زايد الخير، والبشارة والحلم الجميل، أصبحت تدخل البيوت دون استئذان لأنها أصبحت ربة البيت· وحينما تطورت قليلاً مجلة الحائط، وبدأ الوعي يتسرب للعقل من كل مكان ومن أكثر من إنسان، كانت الاتحاد هادية لصحفي كان يتشكل على صبر، وعلى حب الوطن، تنازعته أشياء كثيرة، وتلاقفته جهات وزوايا عديدة، غير أن النون والقلم لا يفترقان، فكان القرار أن يتعلم أول الحبو في رحاب الاتحاد، فدخلها زائراً مع فوج الطلبة المتفوقين في رحلاتهم المدرسية القصيرة، ودخلها متدرباً يشبر الأقسام، ثم كاتباً قصصياً واعداً بشيء مختلف، ويقول عنه إنه جميل، ثم عاملاً وحاملاً لوعد كان يرجوه مثقلاً بالعطاء والتمايز، وبالخلاف والاختلاف، ثم كاتباً محاولاً أن يجعل من العمود الثامن قطرة ماء زهر· الاتحاد·· تلك الباقية من الذاكرة التي أتمنى أن لا تشيخ يوماً، مطبعة ''أبو الريش''، والعليان ''أبو الريش المطبعة، وأبو الريش التحرير'' كان عبيد سلطان وإبراهيم سعيد، والصحفيان السودانيان الفاتح التيجاني وعيسى البشير- الله يرحمهما- والصحفي اللبناني وجيه العجوز- الله يرحمه- والكاتب البحريني بدر عبد الملك، وقسم الإخراج بقيادة الأخوين وليد وسمير مشنوق، وزملائهما غرمائي في لعبة تنس الطاولة، القسم الرياضي عصام سالم وأسامة الشيخ ومحمد علي حسين، وضجيجهم الذي لا ينتهي، سواء كانت هناك مباراة أو أن الدوري أنهى موسمه منذ أمد طويل، قسم التصوير الفوتوغرافي أحبائي الذين لا أرفض لهم طلباً، قسم الإعلان نعيم جبارة وطلال مدني، جبّور صاحب المهمات الصعبة، فهو كالجوكر يمشي في كل وقت، وظرف، ثم هناك شخصية بسيطة السائق يوسف، كان يحمل لنا الجريدة ساخنة من المطبعة القديمة، قبل أن يقف مندهشاً لحظة الترقب والحضور والاستبشار بالعدد النهاري للساهرين حتى آخر الليل، ثم أخيراً، وليس آخراً، ذلك الفراش الذي كان يكون أكثر من ممتن حين يحضر كأس الشاي بالحليب للأرباب في تمام العاشرة والنصف، وآخر ثان في اجتماع التحرير الصباحي· الاتحاد·· عيد سعيد ومجيد·· فقط أتمنى في عيدك الزاهي والبهي·· أن أرى لافتتك القديمة تنير مدينتك الجميلة! ودمتِ دائماً·· وأبداً·· للوطن