ما زلنا مع منتخبنا الأول الذي يخوض تحدياً جديداً للكرة الإماراتية في الأمم الآسيوية بالدوحة، وبالرغم من أنني كتبت أمس عن مباراته أمام كوريا الشمالية والتعادل غير العادل الذي تحقق بيدي منتخبنا لا بيد غيره، إلا أن شريط المباراة لم يفارقني بعد العودة من الملعب، وطوال ليلة تنقلت فيها بين الشاشات، والأهم شاشة نفسي الداخلية، ظلت المباراة تلح علي وكأنني أشاهدها من جديد.. أشاهدها بظروفها والسيناريو العجيب الذي سارت به. المباراة كانت ساحة للتناقضات العديدة، ليس على مدى التسعين دقيقة فقط، مدة اللقاء الذي كان سريعاً دون وقت ضائع طويل، ولكن حتى من الأيام السابقة على المباراة، والتي كان يزداد خلالها يقين بداخلي أننا ذاهبون إلى الدوحة لنفعل شيئاً.. شيئاً كذلك الذي حققه شبابنا ومنتخبنا الأولمبي وناشئونا من قبل، ومنذ أن رأيت ورقة التشكيلة، كنت كمن استراح قلبه، فالتشكيلة التي لعبت أمس الأول هي أفضل ما يتمناه ويتطلع إليه أي إماراتي في هذه الأيام.. لاعبون كل منهم اسم كبير، ونجوم من طراز عال، الكبير والصغير. في حراسة المرمى كان ماجد ناصر أحد أروع حراسنا البواسل، وأمامه كتيبة ترعبنا نحن أيضاً، لكنه رعب الواثق المؤمل في فريقه إلى أبعد مدى، بدءاً من الرائع خالد سبيل الذي قدم مباراة العمر، ومروراً بالمخضرم سبيت خاطر، وعامر عبدالرحمن والوهيبي وحمدان الكمالي والمايسترو إسماعيل مطر أفضل لاعب في المباراة، وقاذفة اللهب أحمد خليل، ووليد عباس، والماتادور إسماعيل الحمادي ويوسف جابر، إضافة إلى دكة الاحتياط العامرة بأسماء لا تقل عن تلك بأي حال من الأحوال.. باختصار كنا أمام فريق حسب الطلب والهوى. وما أن بدأت المباراة، حتى قفز الخوف من لاعبينا في الملعب إلينا، بعد أن بدوا لعدة دقائق في حالة رعب ليس له ما يبرره على الإطلاق من الفريق الكوري، وجاءت ضربة الجزاء ليتحول هذا الخوف إلى قلق، ولأغوص في مقعدي، وأتحول إلى حالة أخرى وشخصية، غير التي دخلت الملعب.. منتهى الخوف، والإحساس بأن المباراة ضاعت، وأن الهدف الكوري إذا ما عانق الشباك، فـ«انسى» أن تعوضه، لأنهم من هذا اللون من المنتخبات الذي يتسلل إليك حتى يحقق غرضه، وبعدها يضع السدود والمتاريس، ويرهقك بدفاعه الصلب ومرتداته التي تشبه اللدغات، فلا تدري هل تحترس من لدغاته أم تتقدم صوب حصونه. وبعد ضياع ضربة الجزاء وبعد أن امتلكنا المباراة وتسيدناها، تركت شاطئ الإحباط هذا إلى حيث كنت قبل المباراة، على شاطئ الأمل الأبيض، أطلب أمنية تقترب وتبتعد، وبقدر ما تكون ملك اليمين سرعان ما تبتعد حتى تبدو وكأنها مستحيلة، وظللت كذلك أروح وأجيء حتى نهاية المباراة، تتقاذفني أمواج الأمل تارة وحجارة اليأس أخرى، وحتى حين خرجت من الملعب، ارتسمت على وجهي تلك العلامة الحيادية التي تضعك في منطقة وسط بين متناقضين، السعادة بالأداء والحزن بالنتيجة، ولم أدر كيف يكون شكل عضلات الوجه والشفاه مع شعور كذلك، ولم يسألني غيري عن سر هذا الوجه الغريب، فقد كنا جميعاً كذلك، نسلم على بعضنا البعض، ونقول عبارة نصفها مواساة ونصفها تهنئة. كلمة أخيرة: شاءت الأقدار أن يكون عبور البطل مفتاح التأهل، ولو حدث وعبرناه، فسيتحول التناقض إلى يقين بأننا أهل لأحلامنا. mohamed.albade@admedia.ae