عندما تأتي الحكمة من أفواه الأبطال، فلا يجب أن يعترض أحد!، والطريف في الأمر أن الحكمة التي آمن بها دل بوسكي مدرب الإسبان التي صنع بها المجد المونديالي، هي حكمة نؤمن بها نحن العرب، لكننا لا نعمل بها، فنحن قوم نجيد الكلام أكثر مما نجيد العمل!.
والحكمة التي آمن بها المدرب الفذ دل بوسكي تقول “لا يجب العبث بتركيبة رابحة”، وهي نفسها المقولة العربية الكروية التي تقول “إللي تكسب به العب به”.
لقد طبقها المدرب في جميع مبارياته، حيث لعب بتشكيلة ثابتة آمن بها واعتقد فيها وأعطاها الثقة، فاندمجت وانسجمت وتوحدت وجاءت بالنصر في نهاية المشوار الطويل.
لقد كنت سعيداً بهذا المدرب وهو يقول إن الفوز بالمونديال كان بمثابة انتصار للكرة الهجومية، والكرة الهجومية تعني الكرة الجميلة التي تحبها وتعشقها جماهير كرة القدم منذ اختراع اللعبة، وحتى الآن في كل مكان.
المنتخب الإسباني كان خليطاً من الكرة الألمانية، حيث القوة والانضباط، ومن الكرة الأرجنتينية حيث المهارات والمواهب.. وسامحوني إذا كنت لم أذكر البرازيل لأنها كانت في هذا المونديال خارج الخدمة، فلا مهارات ولا قوة ولا يحزنون!
والفارق بين هولندا وإسبانيا في النهائي أن الأول انشغل بمنافسه أكثر من انشغاله بنفسه، بينما الثاني انشغل بنفسه أكثر من منافسه، كان كل هم الهولنديين أن يمنعوا الإسبان من احتواء الملعب والهيمنة عليه كما فعلوا مع الألمان، كانوا لا يبادرون بل يسعون إلى إفساد مبادرة المنافس، وفريق يلعب بمنهجية ردة الفعل لا يفوز!
هذا المدرب دل بوسكي أعطانا مقومات جديدة لما يجب أن يكون عليه المدرب، فلا صياح ولا نطاح ولا اعتراضات ولا حركات مسرحية ولا قبلات ولا أحضان، بل هدوء وصبر وحكمة ورباطة جأش وقدرة فائقة على تحمل الضغوط، هذه السمات انتقلت إلى الفريق في الملعب، فكان مشهد الإسبان دائما هو مشهد الفريق الذي لا يتعجل الفوز، يحرص على الإمساك بالملعب ويتناقل الكرة إلى درجة الملل حتى تأتيه الفرصة فيسجل، لقد عاب هذا الفريق أحياناً البطء في تبادل الكرة، لكنه عندما كان يشعر بذلك يبادر بتسريع اللعب في منطقة الفريق الآخر وعندما كان يحدث ذلك لا يتأخر الهدف.
كلمات أخيرة
الفارق بين تشافي وإنييستا أن الأول يكتفي بدور المايستر أما الثاني فيعشق التسلل إلى الشباك من أجل متعة تسجيل الأهداف، لقد كان المشهد وفيا للغاية وعاطفياً ومؤثراً عندما خلع إنييستا قميصه بعد تسجيله هدف العمر ليظهر تحته قميص آخر فيه العزاء لأعز أصدقائه الراحل “داني” ولعلها الأقدار الذي يودع فيها الصديق صديقه في لحظة مجد باقية رآها كل العالم.
كانت دموع الحارس الإسباني العملاق كاسياس في يوم الفرح بمثابة انفجار لا سيما بعد الانتقادات الشديدة التي وجهت إليه بعد الخسارة الأولى أمام سويسرا فلم يرحمه أحد وربطوا بين الخسارة وبين وجود خطيبته المذيعة خلف مرماه بجمالها الآسر الذي لا يقاوم!
لا أحب الزج بالعرب في أحاديث المونديال لسبب بسيط، هو أننا لا زلنا نبعد بأميال من السنين عن هؤلاء البشر!!.

محمود الربيعي | mahmo d_alrabiey@admedia.ae