صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

حب الناس

بعض الناس ترى على وجهه إشراقة حب تتلألأ نجمة ساطعة، فتحبه دون سابق إنذار، ودون أن تربطك به علاقة وطيدة. تشعر بأنك تعرفه منذ زمن، وتشعر بأنه يعرفك، تقترب منه كما يقترب الظمآن من نبع ماء، فيسقيك من عِذاب كلامه الأليف الخفيف، المصفف كحبات عقد على نحر حسناء. بعض الناس هكذا خلق لأن يحب الناس وأن يحبوه، يود الناس ويودونه، يحلم كما يحلمون، ولا يظن ولا يشح ولا يقتر حين يقتربون منه، يبادلونه الأحاديث ذات الشجن. بعض الناس كائن حي يعيش زمانه من أجل إسعاد الآخرين، متصالح مع نفسه، منسجم، متلائم، لا يكظم ولا يهضم، ولا يعتم، ولا يقتحم شؤونهم إلا بإذن ورخصة مرور مختومة بتوقيع إنسان رهيف. بعض الناس عندما يلتقيك فإنه يهفهف بكلماته كنسمات تشجي الروح، وتسعد الفؤاد، وتفتح آفاقاً للحياة والعيش السعيد الرغيد. بعض الناس يمارس حقه في الحياة بلا تراكمات، ولا منغصات، ولا منكدات، ولا عواقب، ولا كوائد. بعض الناس رحلة سفر في دروب الحياة، طويلة لكنها مشمولة بقصص الفرح والمرح، أشياء جميلة من دونها لا تستمر حال الحياة. بعض الناس أدبر عن حقد ونكد، فأثمر جهده بأوراق ظليلة، أصيلة، جميلة، نبيلة. بعض الناس قد يختلف لكنه لا يخالف، وقد ينحاز إلى رأي، لكنه لا يحيد عن أُلفته مع الآخر. بعض الناس يقدم الكلمة الطيبة كشجرة نبيلة جذرها في التراب وفرعها في السماء، فيعلو بك، ويسمو فترتفعان معاً إلى فضاء الحِلم والحُلُم، وتتفتح أمامكما آفاق الأمل، لتبدو كأنها صفحة من صفحات الظفر على كل ما يعرقل ويعطل مسيرة الحياة. بعض الناس أبيض القلب كثوبه الناصع، نقي الروح كصفاء عينيه، عفيف النفس كرقة بلاغته في التواصل ونبوغه في العطاء. بعض الناس لا يبخل ولا يكسل، ولا يتمهل في صناعة علاقة مع الآخر تقوم على الانتماء إلى الأخلاق الحميدة ومحسنات القيم البديعة. بعض الناس يعيش خارج أطر التبطين والتضمين، والتكمين، والتلحين، هو هكذا، مساحة من الضوء، وساحة خضراء من عشب قشيب، خصيب، رطيب، خضيب. بعض الناس لا هاجس له إلا تخصيب الترب الميتة بماء عذب فرات ليؤكد للآخر أنه لا حياة من غير تفانٍ من أجل الآخر، ولا أمل إلا بوجود أرواح تسير على الأرض الهوينى، زارعة البريق في عيون الآخرين. بعض الناس لا يحب الظلام، ولا الظلم، ولا يحب الانحياز إلى الذات، لأنه على يقين من أنه لا حياة للإنسان المعزول والمغلول والمعلول والمحتقن والمرتهن لذاته الحبيسة. بعض الناس له قلب أشف من جناح فراشة وروح أخف من ورقة التوت، وعقل بوزن صفحات التاريخ وتجاربه المديدة والعتيدة والتليدة. بعض الناس ربما لا يصلح لزمان كهذا، لكنه يعبر عن الحقيقة ويؤكد أن الحياة وإن تقلبت وتغربلت لا يكمن جمالها إلا في وعي الإنسان بقيمة الجبلة الأولى. علي أبو الريش | marafea@emi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء