مع بداية السبعينيات، وعند بدء تشكل المؤسسات المجتمعية، ظهر العمل التطوعي الذي يمكن أن يساهم في خلق مجتمع واع، ومتفاعل مع النهضة الشاملة والتأسيسية، وأداة تنويرية تبصّر الأفراد بالكثير من الحقوق، والكثير من الواجبات، وكطبيعة أي عمل أوليّ، يكون الحماس والنشاط هما المسيّر، والأرض البكر، وبداية خطوات الحبو هي الهادي، لكن اليوم وبعد أزيد من خمس وثلاثين سنة من العمل التطوعي، تجد الحماس قد قل، والنشاط قد فتر، والأرض البكر تحتاج إلى غربلة، وإعادة حرث، وخطوات الحبو الأولية تريد مراجعة، وتريد احترافا ومهنية، بالإضافة إلى أن العناصر المتطوعة الشابة كبرت قليلاً، وتعددت مشاغلها، وتنوعت اهتماماتها، والحياة نفسها تبدلت، وغدت سريعة الإيقاع، وزادت ضريبة التمدن· لقد تغير كل شيء، بما فيهم المتطوعون أنفسهم، وحده العمل التطوعي ظل يراوح محله، ويتراجع عن حماسته، وخطواته البكر الجميلة، وكان حريّ به أن يؤسس لعمله المستقبلي، ويراعي كل الظروف المحتملة، وينحو بمنهجه إلى الاحترافية، والعمل المنظم والمحاسب عليه، فالشاب الذي كان بمقدوره أن يأتي من أبوظبي إلى دبي بسيارته، ويستقبل ضيوفاً قادمين في المطار، ويوصلهم إلى الشارقة، ويرتبط ببرنامج الضيوف ليومين، ويأخذهم في جولة إلى مدينة العين، ثم يودعهم في مطار أبوظبي، كل ذلك تطوعاً، وسعياً وراء فكرة نبيلة، وخلق صورة إعلامية أجمل للوطن، لم يعد اليوم كما كان، والأسباب والمسببات عديدة، أقلها أنه يركض وراء الوقت، وأكثرها حزناً، أنه يركض وراء لقمة من ينتظرونه في البيت· لقد مر على العمل التطوعي الكثير من الوطنيين الزاكين، والكثير من الأدعياء المرائين، والمراءاة ليست حكراً على العمل التطوعي وحسب، ولكن في عمل الواجب أيضاً، ففي الصلاة يمكن للبعض أن يكون مرائياً، وفي الحج، وفي الزكاة، وحتى في الجهاد الذي هو من أشق الأمور على النفس، وأقل هؤلاء المرائين، من لا يفرح لنجاح الغير، ويصبح متحسساً، ومتوثباً لأي خطوة لا يكون له فيها هبشة ثقافية، أو نفحة صحفية، لايحب أن يمر كل هذا الحب دون أن يكون له من هذا الحب جانب، هؤلاء تفلت منهم مواهبهم غير الناضجة، ويظل يخوض في طين تجربته الأولى حتى يتخطاه الجميع، ويغدو يلعن الجميع، أما أكثرهم، فذلك الذي يلبس لبوس الرهبان، ويسجع سجع الكهان، ويظهر فعل الحملان، ويختلف معك في الزمان والمكان، لايصدّق إلا عقله التآمريّ، وأنه لا يوجد أحرص منه على المصلحة العامة، وقول كلمة الحق، وممارسة فعل النميمة الثقافية التي لا تضر بالتزامه الثورجي، ولا بخطه الأممي، ولا بعمله الوطني التطوعي، وبين هؤلاء وهؤلاء، هناك من ينفطر قولاً وجعجعة ولا طحنا، وهناك من يكره المركز، ويمجّد الهامش، لأن الهامش عنده الإبداع، والمركز شكليات ورسميات، وهي مدرسة كانت جميلة في حينها، وفي موقعها، أما أن تصبح تجارب ممضوغة، ومجترة، وخارج عصرها، وموقعها، فهي لا تنبئ إلا عن عدم التزام، وعدم مسؤولية حقيقية، والهروب بالنفس من العمل الجمعي المؤسسي تجاه هوى النفس ومبتغياتها، اليوم وبعد ثلاثة عقود من العمل التطوعي الجميل ويزيد، آن لمؤسسات المجتمع الأهلية أن تراجع خطوات الأمس، وترتدي لكل عصر ثوبه، ويكفينا مزايدات في الهواء، وأحلاما برزخية، قد يكون الحلم أجمل من الواقع، والواقع أقسى من الحلم، لكن في النهاية لايبقى إلا ماهو على الأرض، والذي على الأرض، يوم كانت الأرض بكراً، حققناه بكثير من الحب والإيثار والحلم، وبقليل من الواقع·· فهل يشهد العمل التطوعي نقلة عصرية، وضرورية؟!