كثيراً ما كان يختلط في الذهن بين شرم الشيخ، وجبل الشيخ، خاصة أن كلمة شرم تعني الشق في الجبل، غير أن الثاني غاب تحت جنح الغمام، وغيبه الثلج والأحداث، وبرز الأول كمنطقة سياحية دولية، ومكان يستظل به الساسة حين تضيق بهم المدن وفنادقها بمؤتمراتهم الكثيرة والتي لا تكاد تنتهي، فهذا للسلام وآخر للاقتصاد والآخر ضد الإرهاب، والأول كان لبافوس، والثاني لباخوس، والثالث للمرحلة المتبقية من اتفاقية السلام المنعقدة في لاجوس· الزائر لشرم الشيخ ستستوقفه الجبال البنية التي تضرب في بحر أزرق، كتلك الجبال الأسطورية التي تحفل بها كتب التاريخ والأثر، جبال هي أشبه بالجبال الدينية المعفرة بغبرة التاريخ، وحركة الإنسان القديم، ثم فجأة تظهر لك قرى مزروعة، وطرق ضيقة غادية إلى هناك، قد تصل بك البحر باليابسة، وقد تتفرع بك إلى مسالك ومهالك، ثم إلى جنان جديدة على الأرض، تشعر أن الناس أتوا إلى هنا كأشخاص طارئين، أو لديهم أشغال لم ينجزوها بعد، حتى الأماكن ليست لها تلك الرائحة الحقيقية للمدن المسكونة، والبيوت ليس فيها نار يخبز عليها، ولا أثر للفلاحة الجميلة بجلابيتها السوداء، ولا لتلك البدوية المثقلة بمشغولات الفضة والكهرمان، ثم ليس هناك أب جاد في البيت، ولا لعب لأطفال في الطرق الصغيرة الضيقة، ولا مدرسة تربى فيها الأولاد، وتعاركوا ورسبوا، وطلب منهم أن يحضروا أولياء أمورهم مرة، ودخنوا، وهربوا من سورها، عايشوها حتى تخرجوا من الثانوية صوب وجهتهم الجديدة ونحو الحياة· شرم الشيخ·· مدينة تظهر لسانها للسابحين والغواصين والسياح من الدنمارك والمصطافين من أبناء العم، قد تفرح شابين من هولندا أن يحجزا للعام القادم منذ الآن، قد تضم لثلاث ليال عاشقين غامرا باتجاه البحر والحب والحياة، أو تتسع لزوجين أرادا تجريب أيامهم الطويلة القادمة، قد تكون مكاناً غير ضجر لأطفال في بداية عطلتهم السنوية، أو استراحة لكاتب ستيني ملول، ويشكو من أمراض شيخوخية قد تهجم عليه ببطء في قادم الأيام، قد تكون بداية مشروع تجاري، وعقاري، لرجل قضى سنوات طويلة في الخليج دون أدنى فائدة تذكر، ودون معرفة الفرح بالحياة، قد تكون محطة لا غير، لأناس قادمين، ولآخرين راحلين· شرم الشيخ·· مدينة مكبلة بالفنادق، مدككة بالشقق والشقق المفروشة، كأن سكانها سماسرة طارئون لمشاريع قد تتعثر كثيراً، بوابتها مطار يذكرني بمطارات الجزر في المحيطات البعيدة، لا شيء فيه إلا تلك الابتسامة التي جلبها المصري معه من قريته النائية أو من مدينته التي يحبها كثيراً، يستقبلك بها ويودعك بها، ويصرّ أن يضحكك أنت المتجهم من الأخبار، ومن المؤتمرات، ومن البيانات الختامية، ومن الأوراق الكثيرة التي تحملها في حقيبتك، ومن الناموس الليلي الذي نغلّ ورعى جسدك منذ أن هبطت قدماك هذا الوادي غير ذي زرع، آملاً أن تعود ثانية لكي تؤنس وحدته القسرية، ولكي يعمر المكان بدبيب الأقدام، ولكي لا يشعر بعدم جدوى الأشياء· شرم الشيخ·· مؤتمرات كثيرة، في فنادق طويلة، وعريضة، في مدينة صغيرة، ليس فيها إلا البحر، وتلك الجبال البنية الصامتة، وذلك الرمل الممتد إلى أقصى مدى، وتلك الابتسامة التي يستقبلك ويودعك بها المصري الطيب والتي جلبها من قريته البعيدة أو من مدينته العزيزة·· وداعاً شرم الشيخ كوداع هرقل!·