المشاعر نفسها التي تنتابني عقب نهاية كل كأس عالم.. الفراغ نفسه، والشعور كما لو أن ضيفاً عزيزاً وجميلاً وآسراً كان يسكن معي وآن أوان رحيله، حسب الموعد المتفق عليه، مع وعد بالزيارة بعد أربع سنوات إن شاء الله.
أمس الأول، ونحن نتابع نهائي كأس العالم بين إسبانيا وهولندا، وبالرغم من تواضع الأداء في الشوط الأول، وبالرغم من أن المباراة بين ألمانيا وأوروجواي، على المركز الثالث كانت أروع وأشرس، إلا أنني وكثيرين غيري، تابعناها باعتبارها النظرة الأخيرة على المونديال، قبل إسدال الستار، وقبل أن ينفض السامر الجميل.
بالأمس، كتبت هنا بعنوان “بطلان للكأس”، وعنيت جنوب أفريقيا مع إسبانيا، باعتبار الأولى كانت صاحبة البيت الذي استضاف العالم طوال هذا الشهر، وهي التي كانت على قدر التحدي، وهي التي ردت عملياً على كل دعاوى التقليل من قدرتها على تنظيم مثالي وراقٍ، ويبدو أن البعض رأى في ذلك تقليلاً من إنجاز الإسبان، ولكن المعنى كان أوضح من اختزاله في “قشور النص” وبساطة الكلمة، فإسبانيا هي البطل المتوج، وهي التي انضمت فعلياً إلى فرسان المونديال الحاصلين على أرفع الألقاب وأغلاها، ولكن كيف يعقل أن ننكر على جنوب أفريقيا معجزتها الكروية، وتصديها الرائع للحدث الذي لونته بلون جديد، ومختلف تماماً عن كل الألوان التي كسته من قبل طوال النسخ الـ18 حول العالم.. اللون في جنوب أفريقيا، كان لون البسطاء والكادحين.. لون القلوب المتعطشة للفرحة، ولعل أكبر دليل على ذلك، أنه على الرغم من خروج جنوب أفريقيا من الدور الأول، وتخوف المنظمين من فشل البطولة جماهيرياً، إلا أن جماهير جنوب أفريقيا، لم تخذل بلدها ولا حلمها، فواصلت حضورها في المدرجات، وكلما سقط بطل، تعلقت العيون بآخر؛ لأن الحلم كان البطل الحقيقي، وكان الممثل الحقيقي لجنوب أفريقيا.
نعم تستحق جنوب أفريقيا أن نشكرها، ويستحق نيلسون مانديلا، كما كان أول كلمة في المونديال أن يكون كلمة الختام، بعد أن تحامل على نفسه وعلى أحزانه وحضر جانباً من الافتتاح، مدركاً أن ملهم الشعب يجب أن يسبق الشعب.
لم يكن شيئاً في جنوب أفريقيا مبهراً أو مغالى فيه، وبالرغم من ذلك، شعر كل من في المونديال أن النسخة الأخيرة غير مسبوقة؛ لأن الروح كانت مختلفة، ولأنها نظمت بحب وشجعت بحب، واحتضنت العالم بمنتهى الحب.
شكراً جنوب أفريقيا.. تابعناك من هنا فازداد إعجابنا بك، فكيف الحال بمن كان هناك.. في قلب الألوان، وفي قلب العالم الذي انتقل إليك، وعاد يحمل منك أجمل الذكريات.
والآن عزيزي القارئ.. طوال شهر وأكثر هي مدة كأس العالم.. كنت أنت الغاية وأنت الوسيلة.. من أجلك وصلنا الليل بالنهار، لنطالعك كل صباح بما تتمنى، فأستميحك عذراً في إجازة قصيرة، تتوقف فيها “صباح جديد”، ولكن لن يتوقف الصباح، ولن نتوقف عن التفكير فيك والتخطيط لأجلك.
كلمة أخيرة:
إذا كان الاخطبوط “بول”، قد توقع نتائج المباريات، فـاخطبوط الاتحاد “أبو أميرة” توقع البطل قبل أن تبدأ المنافسات.

محمد البادع | mohamed.albade@admedia.ae