انتهى الحلم وعاد الناس إلى أرض الواقع، فما قدمته جنوب أفريقيا للحدث كان شيئاً من الحلم، وما أضافه أبناؤها كان أروع ما فيه من الحب والشغف والتواصل، وأناس حتى في قمة إحباطاتهم كانوا يبتسمون وعندما تقول شاكيرا إنها شاهدت خلال هذه الفترة أكبر قدر من الابتسامات طوال حياتها فلم تكذب، أنا كذلك شاهدت هذا الشيء.
عندما يحضر المشجعون لمؤازرة منتخباتهم ومن ثم تخرج وتغادر البطولة يظلون متشبثين بالتراب الأفريقي فلا شك أن هناك نوعا من الجاذبية وشئيا من السحر ولكنه من أنواع السحر المحبب والحلال، فقد شاهدوا امتزاج الواقع بالخيال، وهنا شاهدوا كيف تتحول المباريات إلى شيء أقرب إلى الكرنفال، وكيف يحيا الإنسان بأدنى مقومات المعيشة ومع ذلك يبتسم ويحضر إلى مباراة كرة قدم كأنه ذاهب إلى حفل، هنا تكمن الظاهرة وهناك يعيش الأمل.
«وداعاً أفريقيا» الكلمة الثانية جميلة والأولى ثقيلة على القلب وما أصعب لحظات الوداع، فغداً أعود وأنا أحمل معي أجمل الذكريات وأدق تفاصيل الحياة، أحمل معي الصور ليست تلك التي التقطتها بعدسة الكاميرا ولكنها تلك التي ستبقى في المخيلة تسجل لقطات لا تنسى وأحمل معي بعض أوراق العملة على وعسى أعود بل حتماً بإذن الله سوف أعود.
وداعاً أيها الشعب المحب ويا من جبلتم على صنع الأعاجيب فبعد أن حصلتم لهذا الوطن كافة حقوقه لأنكم أولى بخيراته وعدتم من جديد تحاولون وعندما خسرتم معركة التنظيم أمام ألمانيا لم تكسركم ولكنها زادتكم قوة وها أنتم أثبتم لمن قصُر نظره أو تملكت منه عنجهيته أنكم أهل لها، وهكذا أصبحت كأس العالم اسماً على مسمى بعد أن دارت على كل قاراته، وتأهبوا للقادم إنهم يجهزون ملفهم لاستضافة الأولمبياد.
وداعاً مانديلا أيها الإيقونة والزعيم الأسطورة الذي أفنى سنوات عمره وفترة الربيع من حياته في السجن، من أجل حرية قومه ومن أجل هذه الأيام التي يعيشونها ومن أجل الأجيال القادمة، فكل ما تحققه هذه البلاد عليه بصمة لمانديلا، وداعاً أيها الرجل الذي لم ولن تلد أفريقيا بل العالم كله مثله.
وداعاً أفريقيا ووداعاً أيها الجنوب فسوف أعود بعد أن انتهت المهمة وأتمنى أن أكون قد وفقت في نقل الصورة، سوف أعود ورغم الأيام الرائعة التي عشتها في ربوعك ولكنني سأعود إلى وطن ليس كسائر الأوطان وبلد لا يضاهيه في العالم مكان حتى لو كنت أنت يا أفريقيا.

راشد إبراهيم الزعابي - جوهانسبرج | ralzaabi@hotmail.com