الجفاف العاطفي والجفاء التربوي، حقل من حقول التنشئة الخاطئة، ينتج عنهما تلك الغربة بين الأب والأبناء، ويصدر عنهما الفجوة الواسعة، والجفوة التي تسير عليها أقدام الأبناء الحافية من حذاء الحب، العارية من وعاء الدفء، المنسلخة من أصول العلاقات الإنسانية.. هذا ما أسفرت عنه الدعوى القضائية التي تقدمت بها تسع فتيات سعوديات ضد والدهن الذي حرمهن من التعليم ولم يكافئهن إلا بالضرب الشنيع والتنكيل.
الأب الذي يعول تسع فتيات وولداً واحداً، فقد خص الذكر بكل الحقوق، وجفف منابع العطاء عن الإناث، ما جعلهن يطفرن غيظاً، وتزبد حناجرهن بالحنق والأسى والفجيعة.
بالفطرة، البنت أرحم وألطف وأحن من الابن، ولكن ما يجعل هذه الإنسانة تخرج عن النص، وتذهب إلى القضاء لترفع الدعوى ضد الأب، هو اليأس وارتفاع الموج، بحيث يحطم جدران العلاقة ويبيد أسوار العاطفة الأنثوية، ويغير الحال إلى سوء المآل.. ولا أدري كيف فكّر هذا الرجل في إنجاب تسع فتيات، وتكديسهن في البيت، ومن بعد الإصرار على اضطهادهن، وتنفيذ أشد أساليب الحرمان فتكاً، وهتكاً للأعراف الإنسانية.. لا أدري كيف يمكن لإنسان أن ينجب أبناء ومن ثم يبدأ في فرز الأوراق، وإشاعة الحريق في المنزل الواحد، اعتماداً على أوهام أن الذكر أولى من الأنثى.
هذه حالة، وحالات كثيرة تتكرر، في أزمنة وأمكنة مختلفة، لأن العقول لم تزل ذكورية إلى حد البؤس، فوقية إلى درجة الجهل المميت، والوعي مستمر في غيه وبغيه.. والذاكرة لم تزل تختزن كل هذا التراكم الفظيع، في صناعة مجتمعات تجتر المخاوف من الأنثى، فتدفنها حية، وقد تختلف الطرق والوسائل إلا أن الهدف واحد، والنتيجة واحدة.
(وإذا الموؤودة سُئلت، بأي ذنبٍ قُتلت) سؤال أنثوي، يظل مرفوعاً، على سارية العلاقات الإنسانية، وتتسع دائرة الاستفهام، كلما زادت الضغينة، لأن المجتمعات لا تنهض ولا يعلو لها شأن، إلا بحدوث التوازن، والتوازي، والتساوي، وتحقيق المساواة العادلة، التي سنّها الدين، وتعارف عليها الإنسان منذ الأزل.. لا يمكن أن نخل بموازين الكون، لمجرد اعتقادات خرافية، ولا يمكن أن نسبح ضد تيار الطبيعة، ولا يمكن أن نحقق ذواتنا كذكور، على حساب ما نعتقد أنه الأدنى وأنه الأقل شأناً.. مجتمع لا يحترم المرأة، مجتمع يخالف الطبيعة، بل هو يعمل على ترسيخ قاعدة الكُره المدمر، والأشد عذاباً من الكوارث الطبيعية.. كل ما نتمناه أن يحمي الله مجتمعاتنا، من هؤلاء الأفراد الذين يسيئون إلى الدين، ويغالطون القيم، ويذهبون بعيداً بالأوطان، نحو التخلف والانحطاط الأخلاقي، وزوال المعرفة الحقيقة، بقيمة المرأة، ودورها الاجتماعي والإنساني.


علي أبو الريش | marafea@emi.ae