صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الاتكاء على الأمل

يشكل الأمل بالنسبة للكثيرين اللحظة المنتظرة التي من دونها لا تستقيم الحياة ولا تشعر النفس بملذة وجودها. وسواء كان الأمل بلقاء أو بفرصة أو بلم شمل، فإنه، بشكل ما يتحول إلى مرض ويقود إلى الكثير من المظاهر والأفعال السلبية التي ينبغي الالتفات إليها لكي لا نقع أسرى الانتظار واللهفة والترقب والعيش بعيدا عن الواقع. أي إلغاء واقعنا المباشر واستبداله بالحلم والركون في زاوية الأمنيات البعيدة. ولا نقصد هنا التخلي عن الأمل ولكن القصد هو السيطرة على تأثيراته وعدم تحويله إلى عائق لاستمتاعنا بالحياة الآن وهنا. في كتابه الملهم (أرض جديدة) يذهب الفيلسوف إيكهارت تول إلى تفكيك حيل والاعيب النفس البشرية وفنونها الخفية التي تبعدنا وتجرفنا عن العيش في اللحظة الراهنة. ومن بين هذه الآلاعيب التعلق بالأمل والعيش فيه (أي العيش في المستقبل) واعتبار كل ما عداه موتا للحياة. ومن وجهة نظر تول فان الوصول إلى العيش في اللحظة الراهنة وامتلاكها إنما هو تحقيق للحضور والوعي الإنساني الكامل بالوجود، وحمل شعلة الأمل ليس عيباً إذا كان القصد هو إنارة الطريق نحو تحقيقه. وإنما العيب في إلغاء الوعي بلحظات ومسافة الوصول إليه. والأمر أشبه برؤية ضوء الأمل في آخر النفق وبالتالي يقضي الإنسان سنوات طويلة وهو يشعر بلا جدوى حياته الا عندما يصل إلى نهاية هذا النفق. وللأمل أنواع وأشكال مخادعة أيضا. هناك من يتعلق بأمل مادي زائل وحين يصل إليه سرعان ما يرغب بالتخلص منه ليعود حزينا كئيبا وخاويا إلى أن يتولد لديه أمل مادي جديد فيسعى إليه مرة ثانية. والمسافة التي تفصل ما بين تحقيقه لهذه الآمال يعتبرها جحيماً وحياته لا تعني شيئاً بدونها. والمتعلقون بالأمل الزائف لا يشبعهم شيء أبدا وسيظلون يطلبون المزيد والمزيد بلا شبع. هناك أيضا من يتعلقون بالأمل البعيد والمستحيل، وهؤلاء قد يغذون مخيلة العالم بكل ما هو أسطوري وساحر وبديع، وقد تجد في قصائدهم أطفالا يطيرون بأجنحة الفراشات وفي لوحاتهم قد تتراقص الألوان وتبتسم الريح للشجرة. لكن هؤلاء المبدعين إنما يرسمون الأمل ويمنحونه بعديه الرمزي والعاطفي وقد يؤطرونه في شكل ما كابتسامة طفل متشرد أو بزوغ الشمس في نافذة السجين المظلوم. أما الأمل الحقيقي غير المزيف فيتمثل في امتلاك الوعي بالوجود وفهم أسراره الجوانية والتماهي معه باعتباره وحدة متكاملة. والوعي بالوجود هو وعي باللحظة التي تعيشها الآن بكامل امتلائها. اللحظة التي هي الزمن كله وفيها ينحصر الوجود كله. والوصول إلى امتلاك هذه اللحظة هو الأمل الأكبر، أي جذب الأمل من المستقبل الى الحاضر وبالتالي العيش فيه بدلا من انتظاره، وجعله آنيا هنا معنا. ثم من خلال الأمل وبه نتوجه ونمضي واثقين إلى المستقبل. عادل خزام akhozam@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

فيروز مريم

قبل 3 أيام

وطن التجديد

قبل أسبوع

اختبار الحياة

قبل 3 أسابيع

شجرة الثقافة

قبل شهر

قوة الثقافة

قبل شهر

حامل الميزان

قبل شهر
كتاب وآراء