«مهما كان الثمن» كان هذا اسم أول مسلسل مدبلج بالعربية يعرض على المشاهدين العرب قبل حوالي خمسة عشر عاماً أو يزيد، أذكر يوم عرضت الحلقة الأخيرة منه أنني كنت أحضر عرساً منزلياً (كعادة الأعراس في تلك الأيام) وفي وقت عرض الحلقة تركت النساء العروس على كوشتها وتدافعن جميعاً لحضور عرض الحلقة في صالة البيت! ذاك المسلسل الذي مثل فيه أبطال مكسيكيون بأسماء ثقيلة كان القطرة الأولى في بحر الأعمال المدبلجة التي انهالت على قنوات التلفزيونات الأرضية والفضائية مطلع التسعينيات الماضية، مثيرة زوبعة كبيرة بين الناس، هناك من تعايش مع المسلسلات المكسيكية وصار من مدمنيها وعشاقها، رغم أن بعض مسلسلاتها تخطى حاجز الثلاثمائة حلقة، وهناك من شن حرباً شعواء عليها، حتى أني أذكر شيخ دين استضافته مدرستي الثانوية لم يتوان لحظة في تحريم «الدش» بكل ما يعرضه، وقال أيضاً «إني لا أنصح أصحابي بالزواج من بيت فوقه «دش» تشاهد فتياته المسلسلات المكسيكية الحرام، والارتباط بواحدة منهن اعتداء على الدين الإسلامي»! شيخ الدين هذا لم يكن إلا واحداً من كثرة، مازال بعضهم لليوم موجوداً يحرم الجديد ويتعامل معه وكأنه «من عمل الشيطان»، إلا أن هذه الحرب كانت لها جوانب ثقافية واجتماعية أيضاً، لدرجة تعرض بعض صديقاتي للضرب من إخوتهن الشباب لمجرد أنهن يتابعن المسلسل المدبلج. وفي بداية الألفية الجديدة بدا أن إعجاب الناس بالمسلسلات المدبلجة تراجع، ولم تعد تلك الأعمال تخرج في أنظارهم عن قصص مألوفة تابعوها لسنين خلت، وكأن الدراما المكسيكية لم تعد تقدم الجديد، فخبت تلك الأعمال وتراجعت كثيراً ولم يعد مشاهدوها في كل مكان. وقبل ثلاثة أعوام دخلت الدراما الكورية إلى سباق المسلسلات المدبلجة، لكنها ولسبب ما لم تصل إلا لفئة بسيطة من المراهقات، ومع ذلك فقد فتحت أبواب النجاح للدراما التركية التي أعادت أمجاد الدبلجة وقوتها. نجحت الدراما التركية وكان من الطبيعي أن تقابل بحملات مضادة من رجال الدين الذين ذهب بعضهم إلى تحريم مشاهدتها، وحتى من بعض أصحاب الصحافة الصفراء الذين تسلوا كثيراً بأخبار مفبركة من مثل (طلبت الطلاق لأن زوجها لا يعاملها برومانسية الأتراك) و(خرجت من غرفة الولادة لتشاهد المسلسل !) وغيرها. الدراما التركية خطت خطوة أخرى لم تسبقها إليها حتى الدراما العربية، لقد أظهرت ولأول مرة تأثير الفن الراقي على الحياة، وقدمت للعرب أول مسلسل يوتر العلاقات السياسية بين الدول (وادي الذئاب)، ومن بعده كرت سبحة المسلسلات التركية على كل القنوات العربية. الجديد بالذكر أن الدبلجة قدمت إلينا شيئاً جديداً، هذه المرة ذهبت إلى جارتنا القديمة «الهند» وصارت الأفلام الهندية تدبلج بالعربية، وليس أي عربية طبعاً، إنها اللهجة الكويتية اللذيذة، هذه الأفلام دفعت مشاهديها إلى خليط غريب من المشاعر، هل نتفاعل ونحزن مع مشاهد الدراما القوية في الفيلم الهندي، أم نضحك ونحن نسمع الممثلة الهندية الحسناء تقول: «خذت حيلي هالولد.. طقوه». الأفلام الهندية التي كنا نهرب منها ونحن صغار لطولها وصغر حجم الترجمة المطبوعة صارت اليوم تجذب «عجائزنا» اللواتي يستمتعن بمشاهدة الأفلام الهندية، فهن طوال أعمارهن كن يسمعن بالفيلم الهندي ولا يتابعنه، وكيف يفعلن وهن أساساً لا يقرأن ولا يستطعن فك شيفرات الدبلجة العربية الفصيحة أو حتى اللهجات الأخرى، لكنهن طبعاً وبالتأكيد يفهمن اللهجة الكويتية ويستمتعن وهن ينظرن لأحد أصحاب العمائم الكبيرة يصيح: «لا أبوه لا ابوه طوايفه.. الهيس الأربد». في كل أنحاء الدول العربية نقول «فيلم هندي» عن أي قصة درامية أو سوداوية أو حتى تفوق الخيال، لكن ما فعلته الدبلجة بالأفلام الهندية حول مشاهدة عجائزنا للتلفاز الآن إلى «فيلم هندي» آخر، لأن اللهجة أجبرتهن ولأول مرة على تحمل الجلوس المطول أمام التلفاز والتجاوب مع المشاهد المختلفة والتعاطف مع الممثلين، وفي النهاية لا تستغرب إن بدأن يؤكدن لك وبقوة أن هذا فيلم كويتي ولا يمت للهند بصلة! فتحية البلوشي