مرت بنا السيارة سريعاً في الطريق العابرة من الجبل نزولا الى العاصمة عبر طريق الحازمية، بعبدا، دوار الصياد على مبنى أنيق جدا له مدخل لافت، جعلني استوقف صديقتي طالبة منها أن تشرح لي شيئا عن ذلك المكان الذي أشرت إليه، ابتسمت وقالت هذا كان فيما مضى عصفورية، والآن ربما اشتراه أحدهم ليحوله الى منزل أو مشروع خاص لا أدري، ضحكت وقلت لها لماذا ؟ هل تم نقل العصفورية الى مكان آخر أو توسيعها مثلا ؟ ضحكت مجددا وقالت: لا، ولكن لم يعد هناك حاجة للعصفورية، لأن البلد كله تحول الى عصفورية كبيرة!! والعصفورية كلمة قديمة من اللهجة اللبنانية الدارجة تعني مستشفى المجانين!
كلام صديقتي كان من قبيل النكتة السياسية اللاذعة أو النقد المر، فاللبنانيون ليسوا مجانين بالتأكيد الا بالقدر الذي يستطيعون فيه احتمال العيش في بلد كلبنان يغلي على صفيح ساخن من التناقضات والمنازعات والمؤامرات، إضافة الى الحالة السياسية والسياسيين وما آلت إليه من تدني الاوضاع وزيادة معدلات الفقر والبطالة والهجرة وانعدام ابسط الخدمات كالكهرباء التي تنقطع أكثر مما تتوافر في بلد يعتبر السياحة مصدر دخله القومي الاول! “بعد ان صارت البلد عصفورية كبيرة لم تعد هناك حاجة للعصفورية الصغيرة” هو تعبير مختصر وقاس جدا لمواطنة لبنانية محبة لوطنها الى درجة رفض فكرة الهجرة ايا كانت الاسباب والمغريات.
ربما تصبح الحرية فضاء موازيا للوطن حين يصير الوطن حلما بعيد المنال، الوطن البعيد المنال ليس هو الارض والسلطات الرسمية ورئيس الجمهورية والشوارع والمحلات، الوطن البعيد هو ذلك الذي تتحدث عنه الجدات والامهات، وطن الخيرات والامان، وطن الاستقرار والبركة، الوطن الذي يكفي لكل ابنائه، الوطن الذي لا يدفع شبابه للوقوف أياما على أبواب السفارات استجداء لتأشيرة هجرة أو لجوء.
ستبقى دول كثيرة تراهن على ديمقراطية لا أساس لها على أرض الواقع، لتوهم شعوبها بأنها أفضل من شعوب أخرى لا تتمتع بديمقراطية خادعة لا تسمن من جوع ولا تؤمن من خوف، فماذا يفعل الخائف والفقير والعاطل والجائع والبردان في الزمهرير بالديمقراطية؟ ماذا يستفيد المحروم من امتيازات الاقطاعيين والسياسيين واصحاب المصالح؟ ماذا يتبقى من الوطن في قلب الانسان حين يصير ناقما طيلة الوقت وهاربا طيلة العمر؟ كيف يصدق وهم الديمقراطية حين يسافر الى بلدان الديمقراطية الحقيقية ويعرفها كما يجب ان تكون ويكتشف الكذبة الكبرى التي عاشها طول عمره؟
هل نحن مبتلون باسرائيل كما يقول البعض؟ هل صحيح ان اسرائيل هي التي منعتنا ولا زالت تمنعنا من التنمية والتطور والتقدم؟ هل البلدان العربية متخلفة لهذا السبب فعلا؟ لكن إسرائيل لا تجاور كل الوطن العربي ولا تحتل كل الأراضي العربية؟ لا أدافع عن اسرائيل طبعا لكنني لا أجد اسرائيل عذرا حقيقيا للتخلف والقمع والحرمان والبطالة بسبب الحروب والاحتلال ورصد الميزانيات للمعارك وليس للتنمية، لأن كل هذه الاوضاع لم تمنع اسرائيل من ان تكون بلدا متقدما في كافة المجالات!

عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com