كتبت في بداية مشوار كأس العالم عن آلة النفخ القادمة مع حمى البطولة الـ”فوفوزيلا”، وهي آلة نفخ قديمة كانت تصنع من بوق الكوكو استعملها سكان جنوب أفريقيا في أوقات الخطر أو التحذير من شر قادم أو الدعوة لاجتماع، واستطاعت هذه الآلة أن تثبت وجودها في البطولة وتوسع شعبيتها في العالم، حتى أنها طغت على شعبية تعويذة كأس العالم الفهد “زاكومي” وزاحته لتحل محله، كانت في بداية البطولة أداة نفخ منفرة، شبهتها بصوت فيلة أم تبكي قطيعها الصغير الضائع، ومرات كانت تشبه طنين الذباب الأزرق على ذيل الدابة، غير أنها أصبحت فيما بعد جزءا حلواً من البطولة، وقدرت أن تهاجر بسرعة إلى بلدان كثيرة، وحذرت حينها أنها ستغزو ملاعبنا وأنها وصلت الإمارات مبكراً، لكنني لم أتصور أن تصدر بشأنها فتوى تحرمها كالتي نقلتها جريدة “ذا ناشيونال” وأتمنى أن لا تكون صحيحة، لا دفاعاً عن ذلك المزمور، وكل ما يضر بالإنسان والبيئة، ولكن دفاعاً عن قيمة مجتمعية، وأن تظل ساحة الإمارات نظيفة من مزايدات الفتاوى، خالية من تشنجات النص المنفوخ فيه، وبعيدة عن الضغوطات الاجتماعية، إذاً دفاعاً عن المبدأ، وليس منافحة عن الأداة، لكي نجد لنا عذراً عند من تضيق صدورهم، وتعمى بصائرهم!
وأنقل المنقول بتصرف، أن الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بالإمارات أصدرت فتوى بتحريم استخدام أبواق الـ”فوفوزيلا” كأداة للتشجيع في الدولة، لما لها من ضرر بالغ على سمع الإنسان، إذ ثبت علمياً أنها تصدر أصواتاً تصل إلى 127 ديسيبل، بينما أثبتت الدراسات أن ما يفوق الـ90 ديسيبل يضر بسمع الإنسان.
لا نريد دكاكين الفتاوى، لأن ما إن نفتحها، فلن نقدر على إغلاقها، ولا نريد أن نبتلى كما أبتلي غيرنا بإسهال الفتاوى، فتوى تحرم إهداء الزهور للمريض، وفتوى تحرم الكعب العالي، وفتوى تبيح إرضاع “البشكار والدريول” وفتوى تمنع المرأة من القيادة، وفتوى ترغّب بشرب ما يتوضأ به المطوع، وفتاوى تحلل الدعارة شرعاً بطرق زواج مختلفة.
لو أن المنع جاء من اتحاد الإمارات للكرة، لفهمت الدواعي، وسكتنا عن الموضوع، لو أن هيئة البيئة طالبت بالحذر، لأيقنا الضرر الذي تسببه من تلوث وضجيج يضر بالبيئة، لو أن وزارة الصحة سعت جاهدة لحظر استعمالها من قبل البشر، لعرفنا مدى عاقبة النفخ فيها، ولفهمنا خطورة السمع لها، لو أن وزارة الاقتصاد تحركت من فورها ومنعت استيرادها لآمنا أن هدفها الرئيس هو منع الضرر عن المستهلك، لما تصدره من ضوضاء، لكن أن يأتي المنع بفتوى من هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية، فالمسألة فيها نظر، ولا أرى فيها بعد نظر، فالذي نستطيع أن نمنعه بقانون، يجب أن لا نشد له مطايا الفتاوى! ???


ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com