نحن بحاجة الى إعادة نظر وصياغة جديدة لعاداتنا وتقاليدنا كأسلوب حياة شابه ما شابه من شوائب، وخرائب، ومصاعب، وعواقب ومصائب·· إعادة صياغة في عاداتنا بدءاً من المشرب والمأكل والملبس، وانتهاء بالتصرفات والعلاقات الاجتماعية·· مجتمعنا الصغير تداخلت معه وامتزجت واختلطت وأثرت وغيرت وأحياناً نسفت وتعسفت فيه الكثير من القيم، فألغت وشوهت من ملامحه حتى بات أشبه بالكيان الشائه، الغامض، المبهم في شكله ومضمونه· نقول الثقافة أولاً، والتأكيد على العامل الثقافي وتركيزه وترسيخه وتثبيت دعائمه أمر أصبح ضرورياً وجوهرياً لا مجال للمغالطة فيه أو الدوران حوله بأي حجة أو ذريعة، ولا شك أننا بحاجة الى ما ينتج ثقافياً خارج محيطنا، لكن هذا لا يعني المساس بالثوابت والتخلي عن الأسس والجوهر لحضارات سادت ثم بادت بفعل النسيان والتجاهل والتفاعل والتواكل والتحامل على المحور وبنيان الإنسان وعموده الفقري· فاليوم تنزل الى الشارع تجد نفسك غريب الوجه واللسان، ولغتك هي القاسم المشترك بينك ومن تنتمي إليه ويعود إليك، أصبحت شبه مغلفة، مخضوضة بارتباكات واشتباكات ثقافية لائذة من الفرار من عمق الثقافة الأصيلة في المجتمع· نحن بحاجة ماسة الى التصالح مع الذات الثقافية، وعقد اتفاقية مواءمة وملاءمة وانسجام واحترام حتى لا نهرب كثيراً من الجذور وحتى لا تفر منا طيور ثقافتنا، وتسير الى حيث الاتجاه المعاكس لحياتنا ومنابعها ومنابتها وأصلها وفصلها ونصلها، قبل أن نرفع شعار احترام ثقافة الآخر يستوجب علينا احترام ثقافتنا والاعتزاز بها، والفخر بمعطياتها ورفع قامتها الى الفضاءات العليا، ولن يحترمنا الآخر طالما أبدينا التنازل عن حقنا في احتضان ثقافتنا، والالتزام بمسؤوليتنا تجاهها، كوتد أساسي لخيمة علاقاتنا الإنسانية والاجتماعية·· وعماد الثقافة هي اللغة، هذه اللغة التي أصبحت طائراً غريباً يغرد في سرب حياتنا اليومية·· فبعد أن تغبرت اللهجة جاء الدور على اللغة، هذا النسيج الإنساني، والكائن الحي في عروقنا ودمائنا أصابه من الأنيميا ما يوشك به الى حافة الاحتضار واختصار العمر والدهر واختزال الخيط الرفيع بينه وبين اللسان والفم· يجب أن نحب العالم وثقافته وقدراته بمقدار حبنا لثقافتنا والتمسك بها والدفاع عنها وعن حياضها، ورفع الظلم والضيم عنها بكل ما نملك من وسائل الدفاع وأولها ترسيخ مفهوم اللغة لدى الصغار والكبار، وتثبيت حقها كلغة جاءت من عمق حضارة، أعطت وقدمت للعالم وتجاوز مداها حدود محيطها لتصبح لغة عالمية، وشريكا يتقاسم مع العالم خبز المعرفة وثمرة العلم والفهم·· إذا كانت الكلمة العربية ترفع على أكثر من منارة في أكثر من دولة عربية، فهذا يعني أن الذين أوصلوا هذه الكلمة ليسوا شذاذاً ولا ضيقي أفق، ولا مرائين وأفاقين أو مهاترين أو مفترين على القيم والأخلاق، بل أناس أخلصوا لحضارتهم وتفانوا من أجلها وثبتوا أركانها هناك بالعقل لا بالنصل، وبالفكر لا بإفشاء الذعر وبالجهد القديم لا بالعبث اللئيم، هؤلا الذين ناضلوا من أجل حلم البشرية الجميل وأمن سلوكها النبيل، ومن أجل إسعاد البشرية لا إرهابها وتشويه القيم وتسويف الشيم وإخراج الكون الإنساني من طمأنينته واستقراره·· يجب أن تحكم، وأن نعيد صياغة فهمنا لثقافتنا وإعطائها الأولوية في صناعة الاستراتيجية والتواصل مع الآخر بقوة الفعل والقول والعمل·· يجب أن نحب الآخر ونتوافق معه ونتناسق، ولكن البدء مع أنفسنا لنملأ الفراغ الذي تم بفعل فاعل مجهول تقديره نحن