لم يبق من الزمن إلا وقت قصير لا يتجاوز الشهرين أو أكثر بأيام، وتبدأ رحلة الناس إلى الحج، ليأتوا إلى بيت الله الحرام من كل فج عميق، داعين ملبين متضرعين، خاشعين نافحين من الشعائر والصلوات· وقبل البداية بدأت الطلقات النارية تقذف من فوهات أصحاب الحملات والرحلات والزيارات، هؤلاء يتعاملون مع حملات الحج كأي سلعة، ويتصرفون مع الحجاج كأي زبائن، يفكرون في الربح ولا يكفيهم القليل ولا اليسير من الرزق، بل إن نظراتهم تتعدى الأسعار المتوقعة وتتجاوز الأرقام المعتمدة، هم يطيرون بالناس إلى حسابات فلكية، لا يتحمل ضرباتها القاصمة للظهر أي إنسان، والذين يتنازلون ويخفضون من أسعارهم ''لخاطر'' العامة، فإنهم يستقبلونهم هناك بوسائل عقابية، مزرية ومخزية في المأكل والمشرب والمسكن، وكأنهم يريدون أن يطبقوا على هؤلاء ''الغلابة'' المثل الشعبي القائل ''مد ريولك على قد لحافك'' دون مراعاة للمشاعر الإنسانية، ولا للمناسك الدينية ولا الضمير البشري·· تجارة جديدة بزغ نجمها في بلادنا اسمها تجارة الحج، الأمر الذي يفرض واقعاً جديداً على الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بأن تقوم بدورها الديني والإنساني، وتمنع هذا الجشع وتردع كل من يحاول أن يشوه وجه الدين وقيمه السامية المترفعة عن كل جشع أو هلع· على الهيئة أن تعد العدة من الآن، لتواجه حرب الأسعار والأعذار والأسوار التي يفرضها تجار الحج على الناس، وأن تتدخل بكل قوة حسب صلاحياتها كهيئة معنية بهذا الشأن، وألا تدع الأمور تسير حسب أهواء التجار، ورغباتهم وطموحاتهم التي لا تحدها حدود، ولا تمنعها سدود، ولا يقف أمامها حائل ولا ساتر· الحج فريضة دينية، يؤديها من استطاع إليها سبيلا، وبالأساليب الملتوية التي يتبعها تجار الحج، تصبح هذه الفريضة أمراً مستحيلاً ومستعصياً على أغلب الناس، فإذا بلغت الرحلة للشخص الواحد بدءاً من 30 ألفاً إلى 120 ألفاً، فهذا يعني أن بعض الناس عليهم أن يصوموا عن المأكل والمشرب، ويكدوا ويكدحوا، الزمن قد لا يفيه عمر الإنسان حتى يتمكنوا من توفير ما يحتاجونه من دراهم لأداء الفريضة، وهذه دعوة مباشرة أو غير مباشرة من أصحاب الحملات ليقولوا للناس ''اللي ما يستطيع لا يذهب''· أمر مخل بالقيم والشيم، وبالمفاهيم الدينية وتعاليم الدين الحنيف، ودعوة قاسية تطلقها قلوب تحجّرت وتمرّست على جمع المال بالطرق الحلزونية، التي لا يتقنها إلا كل ذي قلب من حجر· وسوف نسمع عن الحج السريع والمريع والفظيع والبديع، وأصناف وألوان من الأساليب المخترعة والمنتخبة من عقول تدرّبت جيداً على ابتداع الصرعات، كل ذلك من أجل الابتزاز والزحف السريع نحو جيوب الناس المضطرين والمرغمين والذين تدفعهم الظروف لقبول هكذا وسائل جهنمية اخترعها تجار شطار، ومبدعون في صناعة الانتهازية، والاستغلال واحتلال مصائر الناس وأرزاقهم·· الإعلانات جاهزة، واللافتات معدة وأفواه الابتزاز مستعرة، وكل شيء على ما يرام عند قاضمي اللحم وكاسري العظم· وسوق حرة يخر من سقفها كل المعضلات والمشكلات والمآسي، ولا أحد يسمع ولا أحد يمنع ولا أحد يقول لا·· السوق الحرة لاتعني تفريغ الجيوب وإشعال الحروب ضد الناس الذين تعودوا زيارة بيت الله وأداء المناسك والعودة إلى بلادهم فرحين فخورين، معتزين بدينهم ودنياهم بعد أن طهروا القلوب وعبدوا الدروب، وتناءوا عن الخطوب، وتخلصوا من الندوب وتحرروا من أفعال العمر الغضوب· فليصح كل ذي قلب سليب، وينأى عن الفعل المريب، ويطهر النفس من هلع أو جشع رهيب، فالعمر إن طال فالموت قريب، ولا حسيب غير ضمير رقيب قريب·