لم يعد يفصلنا عن المباراة الأهم في الدنيا سوى 24 ساعة، ولم يتبق من هذا المونديال الأفريقي الذي انتظرناه منذ أربع سنوات سوى هذه الساعات فقط، والتي ستمر بسرعة ويأتي الختام الحلم والذي سيكون تتويجاً لأحد فريقي أسبانيا وهولندا، كما سيكون تتويجاً لنجاح ساحق حققته أفريقيا، القارة التي تنحي كل مشاكلها جانباً من أجل مشاهدة مباراة في كرة القدم.
وغريبة فعلاً هذه الكرة ولا أعتقد أن هناك نابغة على وجه الأرض يستطيع أن يحلل ما تحمله من سحر وقدرة في التأثير على نفوس البشر، هي التي جعلت بلاتر كالملك الذي يتودد إليه كبار الرؤساء، فهو يحكم المملكة التي تتحكم في مقادير اللعبة الأكثر شعبية والتي تسكن في قلوب الناس لتمنحهم الأحلام وتنسيهم كل ما يعانونه من هموم وأسقام.
كرة القدم التي نجح من خلالها نيلسون مانديلا في أن يوحد أمة قوس قزح، وعندما كنت أشاهد الصراع المحموم على استضافة المونديال كنت أقول في نفسي ولم كل هذا الجهد والعناء؟ والآن عرفت فقط أنه لم يضع هباء، فهي تستحق أكثر من ذلك.
عندما يقول بلاتر إنها أكثر من مجرد لعبة لم يكذب فهو يمسك الورقة الرابحة، هي أكبر من مجرد تنافس بين لاعبين أو صراع على لقب أو بطولة، هي التي تجمع الناس وتذيب الفوارق بينهم، لا أغنياء في اللعبة ولا فقراء، تتلاشى الفواصل وتختفي الأشياء ومن يملك اللعبة هو الذي يحكم ويتحكم.
اختفت الجريمة في جنوب أفريقيا خبر قرأته في إحدى الصحف ولكن الطريف ما جاء من أسباب وهو على لسان أحد المسؤولين عن الشرطة، إذ قال إن المجرمين منحوا أنفسهم إجازة اضطرارية لكي يتابعوا مباريات كأس العالم.
وإذا كان الطلاب يخرجون في مظاهرة من أجل كرة القدم ورؤساء الدول يغيرون مواعيدهم في الأجندة حسب أوقات المباريات، ورجال الأعمال يوقفون أنشطتهم خلال شهر المونديال، فلماذا يشذ اللصوص والمجرمون عن القاعدة؟ هم أيضاً يحبون اللعبة ولا يريدون أن يفوتهم أدق تفاصيلها.
كرة القدم أكثر من لعبة هي عالم وهي المتنفس بل تحمل الكثير من الحلول لمشاكل البشر العصرية، تتوقف من أجلها المدافع ويتصافح الأعداء وتدخل الدنيا في هدنة، وفي الغد عندما يسدل الستار على المسابقة الأهم ستعود المشاكل ونستمع إلى نشرات الأخبار الكئيبة، حروب وقتل وجرائم واغتيال، عندها تبكي الدنيا وتقول ليت كل أيامنا مونديال.


راشد إبراهيم الزعابي - جوهانسبرج | ralzaabi@hotmail.com