كثيرون هم من يخطئون، وقليلون هم من يحسون بخطئهم ويعتذرون، وكثيرة هي المواقف التي نخطئ فيها مع الآخرين ولا نعتذر أو نطلب الصفح منهم، على الرغم من أنه قد نكون تسببنا في خطئنا هذا بجرح مشاعرهم، وإيذائها، وخلق جرح عميق يصعب أن يندمل، وكثيرون منا يخطئون ولا يعيرون أخطاءهم أهمية أو حتى يلقون بالاً.
وكم هي واسعة تلك المفارقة والمقارنة بين عهد الإسلام قديماً عندما كانت القلوب متقاربة ومتحابة بالتقوى والسعي وراء رضا الرحمن، وبين زمننا الحالي الذي يصعب علينا فيه أن نجد تلك الفئة من الناس التي يؤلمها وينغص على حياتها مسألة جرح الآخرين والشعور بالذنب في حقهم. فعندما أقرأ في قصص الصحابة والتابعين، رضوان الله عليهم، وسيرة حياتهم أشعر وأدرك أننا نعيش في غربة دين وعتمة حياة، فقد يسيء البعض منا في اليوم عشرات المرات إلى الآخرين.. فلا يقول: عفواً.. ولا يعتذر! في زمن كان الصحابة يضعون خدودهم على الأرض لكي يعبروا عن اعتذارهم وأسفهم على ما اقترفوه..
يذكر أنه اجتمع الصحابة في مجلس، ولم يكن معهم الرسول عليه الصلاة والسلام.. فجلس خالد بن الوليد.. وجلس ابن عوف.. وجلس بلال وجلس أبو ذر.
وكان أبو ذر فيه حدة وحرارة فتكلم الناس في موضوع ما.. فتكلم أبو ذر بكلمة اقتراح: أنا أقترح في الجيش أن يفعل به كذا وكذا.
قال بلال: لا.. هذا الاقتراح خطأ.
فقال أبو ذر: حتى أنت يابن السوداء تخطئني !!!
فقام بلال مدهوشاً غضبانا أسفا..
وقال: والله لأرفعنك لرسول الله عليه الصلاة والسلام.
واندفع ماضياً إلى رسول الله. وصل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.. وقال: يا رسول الله.. أما سمعت أبا ذر ماذا يقول فيّ؟
قال عليه الصلاة والسلام: ماذا يقول فيك؟
قال: يقول كذا وكذا..
فتغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم.. وأتى أبو ذر وقد سمع الخبر.. فاندفع مسرعاً إلى المسجد..
فقال: يا رسول الله.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال عليه الصلاة والسلام: يا أبا ذر أعيرته بأمه.. إنك امرؤ فيك جاهلية!!
فبكى أبو ذر رضي الله عنه.. وأتى الرسول عليه الصلاة والسلام وجلس.. وقال يا رسول الله استغفر لي.. سل الله لي المغفرة!
ثم خرج باكياً من المسجد.
وأقبل بلال ماشياً.. فطرح أبو ذر رأسه في طريق بلال، ووضع خده على التراب..
وقال: والله يا بلال لا ارفع خدي عن التراب حتى تطأه برجلك.. أنت الكريم وأنا المهان!!
فأخذ بلال يبكي.. واقترب وقبل ذلك الخد ثم قاما وتعانقا وتباكيا. هذه هي حياتهم يوم تعاملوا بالإسلام رضي الله عنهم أجمعين!


مريم الشميلي | Maary191@hotmail.com