انتهت محاضرة جاك ديريدا وسط حماسة بالغة، وانهالت عليه الأسئلة، وأهمها عن سر تحول اهتمامه من موضوعات الفلسفة الخالصة إلى قضايا ذات صلة بالحياة العادية ولم تكن إجابة ديريدا خارجة عن المعتاد، فقد ردنا إلى مجال اهتمام الفلسفة منذ نشأتها، وهي محاولة تفسير الحياة والثورة على الجامد منها بقوة الفكر التي تتحول إلى دافع للعمل. وجاء اليوم الثاني، وترأست الحلقة النقاشية الأدبية وكان الحوار باللغة الإنجليزية، ودارت أغلب الأسئلة حول مذهبه الفلسفي، وهل هو مذهب تفكيك، بمعنى رد الكل إلى أجزائه أم مذهب نقضي، يسعى إلى نوع من التفسير، لكنه سرعان ما ينقضه، إدراكا بأن لا شيء يقيني، ولا شيء ثابت سوى حركة الفكر القلق ذاته. وسأله آخرون عن مراحل الدول وانطلاقها وعن الهجوم على مركزية العلة، وهل هي حركة تمرد أبدي على كل شيء ثابت ووافق ديريدا، مؤكدا أنه يسعى إلى تقويض الحذر الأبدي الذي لا يفارق الوخم الفكري، وإلى نقض كل سلطة تدعي العصمة، أو امتلاك اليقين أو الوصول إليه. وبقدر سعادة ديريدا بحلقة النقاش الأدبي كان نفوره واضحا من حلقة النقاش الفلسفي التي لم يرتفع المناقشون فيها إلى مستوى الموقف أو الحوار مع أكبر فيلسوف فرنسي في ذلك الوقت، وقد ظهر غضب ديريدا صريحا على وجهه، عندما توجه إليه الصديق عبدالغفار مكاوي قائلا إنه لم يقرأ له شيئا، ولكنه سمع أنه ذهب إلى القول ولم يتركه ديريدا يكمل كلامه، ورد بغضب واضح: أليس من الأفضل أن تقرأ أنت ثم تأتي لتسألني؟ وزاد الطين بله ما فعله المرحوم عبدالوهاب المسيري الذي أخرج نصا مأخوذا من كتاب، تدعي فيه المؤلفة على جاك ديريدا بأبشع الصفات التي أذكر منها الصهيونية والعداء للعرب، وكنت أرقب وجه جاك ديريدا وهو يتميز من الغضب والغيظ ولكنه ظل صامتا إلى أن فرغ عبدالوهاب المسيري من القراءة وقال له: ماذا تريد بهذا الذي تقرؤه لنا؟ أما كراهيتي فيردها أني مولود في الجزائر، وتنفيها صداقاتي مع المثقفين العرب الذين هم كثيرون إلى درجة لا يمكن معها الحصر، وأما عن الصهيونية فما هي الأدلة عليها وعجبي حقا ـ هكذا قال ديريدا ـ منك ومما تفعل إذا كنت تريد أن تهاجمني فلماذا تلجأ إلى الآخرين؟ لماذا لا تقرأ كتبي وتناقشني فيها، بعيدا عن لغة الاتهام التي هي علامة عجز وجهل على السواء. وسكت ديريدا، وأصبحت القاعة التي عقدنا فيها المائدة المستديرة صامتة صمتا مخيفا، فاضطررت إلى قطعه بسؤال عن ما إذا كان الإطار المرجعي للنقد قد تحول إلى الفلسفة بعد أن استكان إلى علم اللغة ويبدو أن السؤال أعجب ديريدا، فانطلق يتحدث عن جدوى الفلسفة وأهميتها البالغة للنقد الأدبي، وشيئا فشيئا هدأت حدة الموقف، وانتهت المائدة بسلام والحمد لله.