كلما مررت بمنزل مهجور، وقفت طويلاً أتأمله، باحثة عن تلك الحيوات التي كانت تموج في أرجائه، عن الرجال الذي شمخوا وهم يخرجون ويدخلون عبر بواباته، عن النساء اللواتي لطالما نَسَجنَ الحكايات في مجالسهن ولطالما كَتَبنَ تاريخاً آخر لأمجاد الأسرة ونجاحات الأبناء، عن الصبايا اللواتي تمايلن وتمخطرن في أرجائه، كاتمات قصص الهوى عن الوالد الصعب المراس الذي ما أن يشم رائحة من هذا النوع حتى يسارع إلى تزويجهن بغير فرسان الأحلام خوفاً وحرصاً وحذراً، في هذه المنازل المهجورة التي تكاد رائحة الأمس تتلاشى مع مرور الأيام، لطالما ضجت الحياة بقصص لا يعرف إلا الذين غادروها إلى غير رجعة تفاصيلها ومفاصلها وغرائبيتها.
تستهويني هذه البيوت كثيراً، وحين أعبر جبلاً يرشح بالتاريخ المتلاطم كجبل لبنان، من بعض جهاته، أتأمل مشهد تلك البيوت المطلة على الوديان السحيقة، وغابات السنديان والصنوبر، وأتساءل إلى أين ذهب سكان تلك القصور، كيف انتهى بهم الحال في بلاد الهجرة إن كانوا قد هاجروا، وكيف صار حالهم بعد العز واليسر إن كانوا لا يزالون في أرضهم يغمضون عيناً على ماضٍ كانوا يرفلون في النعيم فيه، بينما يفتحون عيناً على حاضر لا يسرهم، لكنهم لا يملكون حياله حولاً ولا قوة!
ذات يوم وقف سيد يخلط في حديثه أكثر من لغة، فهو يُحييك على طريقة سكان باريس، بينما يرجوك أن تحرك سيارتك من أمام بوابة منزله بلغة خريجي جامعة هارفرد، وحين يريد أن يمزح معك أو يسب مختار الضيعة أو مدير البلدية لأنه لم يبذل جهداً في “تزفيت” الطريق فإنه لا يجد خيراً من لبنانيته، يستعين بها ليعبر عن مدى سخطه، هذا الرجل الستيني الأنيق والمتفرنس بوضوح هو أحد سكان تلك البيوت المهجورة، وهو نموذج لكثيرين ممن هجروا بلادهم إلى فرنسا أو أستراليا أو أميركا أو أفريقيا!
حدثتني سيدة كنت معها على متن الطائرة، وكانت طاعنة في السن بأنها ومنذ سنوات الحرب الأهلية التي طحنت لبنان وأهله ومستقبله، وهي تعيش في أفريقيا مع زوجها وأبنائه، وبأنها تأتي كل أربع سنوات لزيارة شقيقاتها اللواتي يعشن في إحدى ضواحي بيروت، بينما بيت العائلة مهجور في الجبل، لا يستطيعون العودة إليه، فذلك صعب جداً، بينما لا يمكن التصرف فيه لأسباب مادية بحتة، وحين بدأت الدموع تنهمر من عينيها رأيت من خلال الدموع غصة المغترب عن أرضه، وقهر الذي كان يعيش في بذح الحياة فإذا به يتيه في الأرض باحثاً عن لقمة العيش!
أحسست مغزى “عزيز قوم ذل” قالت لي بعد أن هدأت “أريد أن أقضي بقية أيامي في وطني، لكن هذا الوطن لا يزال على كف عفريت، نأتي لقضاء “الصيفية” ولا ندري هل سنكملها أم لا، التهديدات لا تحلو إلا في الصيف، والتراشق بالاتهامات الثقيلة التي قد تفجر حرباً في أية لحظة لا تحلو لهم إلا في الصيف، لماذا؟ لماذا؟”، ثم سكتت حتى نهاية الرحلة وكأنها تفتش في دفاتر الأيام الماضيات عن إجابة مقنعة!
هؤلاء وغيرهم من سكان المنازل المهجورة، وغير المهجورة، هم جزء من حكاية سكان الصور التي تحدثنا عنهم منذ عدة أيام، فلا يغرك جمال الصورة وأناقة الثياب والرطانة الأجنبية، فتحت الجلد إنسان منهك ومتعب وأحياناً بائس جداً، إنسان طاردته الحرب، وأنهكه القهر، وسقت الغربة عمره كله.

عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com