خلال شهر كامل كان بإمكانك أن تتعرف إلى شعوب مختلفة من العالم يسكنون بين ظهرانينا، وقد جاءت بطولة كأس العالم لتجمعهم في أماكنهم المحببة، وزواياهم المتفرقة، يذرفون دموع الفرح أو دموع الحزن، يتشاركون مع الآخرين تعليقاتهم أو يتشاطرون معهم الروح الرياضية والمساندة لحظة الخفوق أو الثناء والبهجة لحظات التفوق، كانت فرصة وكأنها السفر إلى مواطن كثيرة، منحتها الإمارات وكأس العالم للبعض أن يلتقي مع شرائح من جاليات عدة في مربع أخضر، تجمعهم الشاشات الكبيرة وطقس جميل من طقوس كأس العالم، حتى أن بعض الجاليات من أميركا اللاتينية كنت أشك أنها تعيش هنا، مثل تلك التي غشّينا بها أحد أصدقائنا لا دخل له في الكرة ولا في الجغرافيا، شغله فقط البر والمزيون، ويريد أن يزامط بـ"الفور ويل" ظل طوال شوط كامل يذم غانا ويشجع البراجواي بأعلى حسه، حتى ضجرت منه تلك التي ترتدي"تي شيرت" أحمر مخططاً، باعتدال و"بالرأفة" وخرجت متأففة، فرجع يسألنا إذا كان في غانا بيض مثل جنوب أفريقيا، وأننا شمتنا به، فقلنا: لأنك تشجع فريقاً خرج من البطولة، فرد غاضباً: أنتم قلتم! فرددنا: أذهب وأبحث عن مزيونتك من الأراجواي!
شريحة من الجالية الفرنسية ظلت مكتئبة من أول مباراة، وزادوها كآبة أن أفراداً كثر من جاليات الشمال المغاربي لم تقف معها في مأساتها، لقد غابت الضحكة عن الفرنسيين منذ زمن، وغدوا منطوين على الذات، يتحرطمون بلغتهم التي لا يكترث لها العالم كثيراً، وشحب وجه الفرنسي، وغدا أكثر عبوساً وتذمراً على لا شيء يذكر!
الإيطاليون رغم هزيمة الأم العجوز لم يفقدوا تعليقاتهم الساخرة، ولا نكاتهم التي تميل للحس الجنسي، فقط كانت مشكلتهم من يشجعون بعد إيطاليا، وهم لا يعترفون بغيرها!
الأميركيون وكأن الموضوع لا يخصهم، بعضهم كان بعد أن تمتلئ بطنه ورأسه يترك المكان، والشوط الثاني في بدايته، بعضهم كان يقرأ الفرحة في وجوه الناس ويصفق معهم، ولو كان هدفاً مباغتاً على المنتخب الأميركي! جنوب أفريقيا لم يتوقفوا عن الفرح، لأنهم كانوا يرون بلدهم في كل مباراة!
الإنجليز، خفوا بعد خروج منتخبهم، ولم يعد يأتون إلا نكاية في الألمان، وسخرية من البرازيل، ويقرعون كأس خروج الأرجنتين.
البرازيليون كالعادة النساء أكثر من الرجال، لكنهم لا يعرفون أن يشجعوا غير البرازيل، وإن شجعوا كانت رقصاتهم غير ساخنة، ولا تحمل ضوع الجسد الآبنوسي الصاخب!
الإسبان - الله يسعدهم ولا يبعدهم- كانوا برودة هذا الصيف، وكن الإسبانيات عطره، فليت كل صيف تمهره ورود إسبانيا بالفرح والرذاذ، وتلك الصهلة التي تستقر في الأذن، ولا توجعها، وتلك العينين اللامعتين بدمع بارد، وتلك البسمة الرضبة التي تخرج مع أول حركات التمطيء بكسل الصباح المتأخر!


ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com