صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

سـفن

وقف الشاعر على شط الحياة وهذا ما رآه: سفينة الـعمر: هي الجسد الذي تهبط فيه الروح وترفع أشرعته ليخوض العباب متلوياً في الريح متلاطماً في موج القدر. يرسو هذا الجسد في ميناء وحضن الأم أولا، متزودا بالوقود الأبيض من صدرها الدافئ، ثم يغادر حبوا، مدفوعا برغبة الاكتشاف، واصلا إلى موانئ وجزر كثيرة. وسفينة العمر من طبعها أن تهرم، تتشقق عظامها في نهاية الرحلة وتتقطع حبال أشرعتها فلا تعود سريعة حتى في وجود الرياح. يا سفينة العمر يا جسدي قال الشاعر، يا حصان الروح يعبر في وعورة الأيام صاعدا نحو القمم البعيدة. مرساتك في نهاية الطريق تتحول إلى عكاز، وقبطانك الذي هزم العواصف وتحدى الرعد، يختار أخيرا الوقوف على اليابسة، ضجرا يراقب طيور البحر وحورياته الفاتنات تحوم حول السفن الجديدة وهي تقلع باتجاه الشمس. سفينة النجاة: يتلاطم البشر في حرب الدنيا متناحرين متناطحين رأسا برأس وعينا بعين، والإنسان إنما يعبر الوجود قافزا من سفينة غارقة إلى أخرى ستغرق، باحثا في أيام الضنك عن النجاة من الهلاك المحتم، عن الخلاص من الخوف الذي حين يهجم على القلب يعمي العين ويشل السواعد والأقدام فلا تقوى على الخطو شبرا، والبحث عن النجاة شيمة المعتدلين وأبناء الوسط، أما المغامر والشجاع فيختار سفينة التحدي، ويجد نجاته في اعتلاء القمم ومعانقة الغيم. يا سفينة النجاة قال الشاعر، اعبري بين دفتي الميزان، بين جبلين، آمنة تتهادين على الماء، على يمينك في ضفة الخوف يجلس الجبناء أسرى وموتى في المكان الواحد، وعلى شمالك في ضفة الإيغال يتهاوى من الجروف المتمادون في معاندة الطبيعة. قامت الحياة على الضدين ينسجمان في المعنى، النجاة من النار لا تعني القفز في الشلال، والهروب من ظلام الليل لا يعني الاحتراق تحت لهب الشمس. سفينة الرحيل: طافية فوق بحر الأيادي، تبحر النعوش إلى مثوى النعيم، لكن قبل موتهم، يرحل البشر في أنهار الحياة، البعض يظل مربوطا بسلاسل الوظيفة إلى أن تذبل شمعة روحه وهو جالس في المياه الراكدة، وآخرون يجرفهم المد إلى السقوط مع الشلال، مرتطمين بصخرة العبث، مجروفين الى المصير المر. وهناك من يجبرهم القدر إلى التجديف عكس التيار إلى أن تخور قواهم. يا سفينة الرحيل قال الشاعر، في الأرض متسع للجميع، ولكن الناس تكتظ قرب النبع، يشرب الجشعون حتى الامتلاء ولا يغادرون إلا موتى، ويعطش الفقراء للغيمة التي تتمنع وتبخل بالقطرة، وقد تجف الحلوق إذا طال السكوت، وقد تجف إذا ساد الكلام. الرحيل قدر الجميع والخلود لا يدوم حتى للشمس. سفن الحياة كثيرة، ولكن. ما أحلى الرحيل في عينيك ما أحلى النجاة في الهلاك معك. عادل خزام | akhozam@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

المجمع الثقافي

قبل 5 أيام

الحدود الواهية

قبل أسبوع

حبيب الصايغ

قبل أسبوعين

سيدة المحطة

قبل 3 أسابيع

خطوة العقل

قبل شهر

مجهر الحب

قبل شهر

حصّالة الصبر

قبل شهر

صعود الفيلسوف

قبل شهرين
كتاب وآراء