ثورة كبيرة نعيشها اليوم تتمثل في انتشار الثقافة الروحية واتساعها وتدفقها من أكثر من مصدر. فإذا كانت فنون العلاج بالطاقة واليوغا والتأمل تبدو اليوم في الواجهة. وهي تنتشر باضطراد فإن فنونا أخرى مماثلة صارت تتلاقح مع هذه الثقافة ومن بينها بالطبع مهارات العلاج لدى (الشامان) الذين يمثلون اليوم نبع الحكمة القديمة لدى شعوب القارة الاميركية. بل وصل الأمر الى تداخل الثقافتين معا حيث نقرأ عن ممارسات وتمارين من مثل (يوغا الشامان) او (علم الفلك من خلال رؤية الشامان) وغيرها من الأطروحات التي تدمج ما بين اكثر من ثقافة قديمة وتبحث عن التداخلات والنقاط المشتركة بينها.
وكلمة الشامان تعني في الأساس الشخص العارف او الحكيم الذي يقصده الناس للعلاج، وقد لا نجد اختلافا لدى شعوب الأرض فيما يخص هذه الوظيفة لكن الملفت في ثقافة الشامان أنها لم تقتصر على طقوس المعالجة الروحية او الجسدية او العقلية للشخص المريض او لأفراد القبيلة. إنما امتدت لتصبح نظاما أخلاقيا يسير تلك المجتمعات وينظم علاقتها بالبيئة والمحيط والكون. ووجود هذه العلاقة المميزة مع الطبيعة هي ما يجعل ثقافة الشامان اليوم متفردة عن بقية الممارسات العلاجية لدى الشعوب الأخرى خصوصا في الشرق. فهناك علاقة متجذرة ما بين الإنسان والأرض والحيوانات والنباتات ومن خلال هذه العلاقات يتم حفظ توازن القبيلة. ويكون دور الشامان المحافظة على هذا التوازن لضمان استمرارية العيش بأمان وبشروط لا تتنافى وميزان الكون، ولذلك أضافوا الى فنون العلاج شروطا اخرى كثيرة من بينها مثلا (القتل الرحيم) للحيوانات، وأحيانا ضرورة استخدام كل أعضاء الحيوان في أعمال نافعة وليس أكل لحمه فقط. وهذا ما يفسر تعلق تلك الشعوب القديمة بعظام وبقايا الحيوانات واستخدامها في الزينة والنذر وغير ذلك.
ما يهمنا في هذه الثقافة هو الكيفية التي يرى بها الشامان العالم من حوله، فهناك في جهة واحدة الإنسان الذي يبحث عن تلبية حاجاته، وفي الجهة الثانية هناك الطبيعة بكل كائناتها والتي تعطي الإنسان ما يريده ولا تبخل عليه بشيء، لكن الجشع الإنساني قد يكبر أحيانا وقد يتحول الإنسان الى آلة مدمرة للكائنات من حوله من غير أن يدرك خطورة هذه الخطوة وهذا بالضبط ما يحدث اليوم. بعض تعاليم الشامان كانت تشترط ان يرى الإنسان إثر فعلته او كلمته في سبعة أجيال من بعده قبل ان يقوم بأية خطوة. وبعض الطقوس كانت تشترط ان يعيد الناس الى الارض ما أخذوه منها عن طريق الشكر والمباركات وغيرها.
اليوم، ومع هيجان البشر وتدميرهم الكبير للطبيعة، ظهرت الكثير من الجماعات التي تعيد إحياء تعاليم الشامان القديمة وتحاول أن تبعثها إلى الوجود لتذكرنا بالحكمة التي نسيناها لعل القليل منها يفيد في تفادي الكوارث الطبيعية المتوقعة.


عادل خزام akhozam@yahoo.com