لا مشكلة ولا اعتراض على الخلاف أو الاختلاف، فهناك حديث منسوب للرسول عليه السلام نتناقله نحن المسلمين، ينص على أن "اختلاف أمتي رحمة "، والاختلاف المقصود في الحديث يدور حول الاجتهادات الواردة في ما يتعلق بتفسير كثير من الأحكام الواردة في الدين، وهي اختلافات في أمور لا تتعلق بأصول الدين، والعقيدة أو قواعد الشرع والشريعة، مثل الاختلافات الواردة في المذاهب الأربعة مثلاً، حيث يرى الإمام مالك رأياً في تفسيره لبعض الأمور الدينية قد لا يوافقه عليها الإمام أحمد بن حنبل، وكلا الإمامين على حق، وقد اعتمدا في اجتهاداتهما وقياسهما على قواعد وأصول دينية راسخة بلاشك، الاختلاف رحمة لأن ما يمكن لمسلم أن يقوم به قد يشق على مسلم آخر، شرط أن لا يتعلق الأمر بأصول العقيدة ومقاصد الشريعة.
لكن الاختلاف لا يجوز أن يقودنا لحروب خفية، حروب فتاوى وقوانين غاية في الغرابة والصعوبة، فإذا اختلف الناس على أمر مثلاً لماذا يلجأ البعض إلى التشديد دائماً، ثم يمعن في التضييق بحجة أن هذا ما ورد عن السلف وما فعله فلان وفلان من الأئمة والصالحين؟ لماذا لا نأخذ بأيسر وأسهل الآراء مصداقاً لدعوة الرسول العظيم الذي كان دائماً ما يوجه صحابته بالتيسير على الناس قائلاً: إنما بعثتم ميسرين لا معسرين؟ لماذا الإصرار على التضييق ؟ ولماذا تشن حملات وحروب استنزاف إن صح التعبير على أهل التيسير والاعتدال بحجة أنهم متساهلون في أمر الدين وبأنهم يأخذون بآراء مشكوك في صحتها وبأنهم ... ؟!
مثلما أن اختلاف الأمة رحمة لأنه يتيح ويبيح للمسلم أن يختار بين عدة آراء كلها لا تخل بقواعد الدين وأصوله لكنها تبيح التخفيف على المسلم بحسب قدراته وإمكانياته وعزمه، على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وهناك مؤمن قوي ومؤمن ضعيف بنص الحديث، وبالتأكيد فإن المؤمن القوي أفضل، لكن الرسول يقول "وفي كل خير" لكن على الكثيرين في أيامنا هذه أن يفطنوا إلى قاعدة التيسير كما يحملون لواء التشديد والتعصب، فإن هذا التوجه قد قاد غيرنا إلى ما لاتحمد عقباه للأسف!
منذ ثلاثة أيام غيب الموت الشيخ محمد حسين فضل الله في لبنان، وهو من رجال الدين المعروفين باعتدالهم وتسام ، واختلافهم مع المؤسسة الدينية الشيعية في كثير من رؤاها واجتهاداتها، حتى أن خلافاً كبيراً كان بين الرجل وهذه المؤسسة بسبب نهج الاعتدال الذي كان ينتهجه وظل ينتهجه طيلة حياته، دون أن يتزحزح عن موقفه أبداً، ما يذكرنا بشيخنا الجليل محمد الغزالي في مصر والشيح الشعراوي، وغيرهما ممن رفعوا لواء التفهم والاعتدال فجمعوا على دين الإسلام ملايين القلوب، لأن الله يجمع بالتسامح ما لا يحققه العنف والتشدد الذي لا يقود إلا للأحقاد والصراعات والمعارك العبثية!!
حين توفي العلامة حسين فضل الله مشى في جنازته وبكاه ملايين الناس من كان معه ومن لم يكن، فمن لم يتفق معه احترمه ومن كان على نهجه افتقده بحرقة لأن المعتدلين في زماننا قليلون جداً ولا يعوضون، مع أن الاعتدال خير كله لو يعلمون.


ayya-222@hotmail.com