في كل وزارة أو دائرة أو مؤسسة أو شركة أو ناد أو حتى منزل، هناك أشخاص يصبحون مع الزمن جزءاً من المكان، يؤدون أعمالاً صغيرة لكنها مهمة، ويؤدون وظائف عن أشخاص غير موجودين أصلاً، يغطون هذا الفراغ بحبهم للعمل وتفانيهم في خدمة المكان، ومع مرور الوقت تكون هذه الطلبات جزءا من عملهم ووظيفتهم، مرات كثيرة لا ننتبه لوجودهم، لكن ما إن يغادرونا أو يغادروا المكان حتى نشعر بمكانتهم وبقيمة وظائفهم وأعمالهم، وما يطلب منهم بشكل طارئ وسريع، هو وشخص متعدد الخدمات والمواهب، قد يكون فراشاً أو سائقاً لـ”باص” اللاعبين، أو طباخا أو مسؤول مكتبة في الإذاعة أو حارس بناية أو مسؤولاً في شؤون الموظفين.
هؤلاء المفاصل الصغيرة، يؤدون أعمالهم بسرعة قصوى ويشيرون عليك في الوقت المناسب، ويدلونك على الشخص المناسب، هم مصدر تفاؤل لكثير من الأمور، يعرفون أكثر من كل الموظفين، ونأتمنهم على الكثير من أسرارنا، بعضهم يعرف باسمه الأول، فيصبح مشهوراً أكثر من أقرانه الذين يتسمون بالاسم نفسه، وبعضهم يلتصق به اسم شهرة، ربما أطلقه عليه بعض اللاعبين فيكون اسمه طيلة حياته الباقية، وإذا ذهب في إجازته السنوية وهي قليلة لا يصدق متى يعود بسرعة، ولا يصدق الآخرون متى سيرجع لأنه أصبح قطب المكان، ومعظم الأعمال تنطلق منه أو تحوم حوله أو ترد إليه•
رغم أن وظيفة هؤلاء الناس تبدو هامشية، لكنهم كرجال ومواقف غير هامشيين، يعرفون غلاهم فلا يتغلون، ويعرفون قيمتهم في دواخلنا فلا يبطرون، رواتبهم تبدأ ضئيلة، وربما ظلت ضئيلة، قياساً بالذي يقدمونه من خدمات لكنهم راضون، بعضهم يتركوننا في نصف الطريق، بعضهم يواصلون المشوار رغم تقدم السنين، وبعضهم يحمل حقيبته راحلاً بأشيائه الصغيرة ورأسه المليء بذكريات المكان، وبعضهم تأخذه عزة النفس فيستقيل، لشعوره أنه أصبح عرضة للمساومة أو للصعود والهبوط، في زمن مدراء صغار تطربهم الطريقة الأمريكانية في كل شيء أو نساء مكبلات بالعقد الاجتماعية، وهو لم يتعود على ذلك، فيكون الخير له أن يترك مكانه بغصة في الحلق، وفرحاً في الرأس.
من بين هؤلاء الناس من مر عليه من الوزراء بعدد أصابع يده، وكلهم كانوا ينادونه: “الوالد، شيبتنا، خالي، بركتنا..” ويمدون له ما يجود به خاطرهم، ويطيّب خاطره في عيد أو رمضان أو أحياناً يختلقون المناسبة ليبرّوه، واليوم وحين عكف الزمن قليلاً ظهره، يظهر له من لا يعرف الرجال، ولا قيمة الناس، ولا أدرك مذهب أهله الأولين، ويبدأ بالصوت العالي، الآمر، الزاجر، فيضحك شيبتنا ويقول كلمته الأخيرة قبل أن يغادر المكان: “ولدي.. حطّ بيصك في الدعنه، برّاض عليك”!


amood8@yahoo.com