صيادون يرفعون الشكوى ويحذرون، ومستهلكون يصيحون الويل ويدفعون بالعويل ولا أحد يعرف من هو الجاني، ومن هو المجني عليه· أسعار السمك بعد أن نفض رمضان جلبابه مودعاً أحبابه وصلت إلى الذروة فيه، نافست أسعار النفط والإيجارات، الأسعار بلغت أكثر من 100% ارتفاعاً قياساً لأسعارها في الشهر الماضي · فكيلوجرام سمك الصافي وصل من 20 إلى 75 درهماً، والزريدي من 20 إلى 40 درهماً والشعري من 10 إلى 30 درهماً، وهكذا· الصيادون يرجعون الارتفاع المذهل للأسعار إلى ارتفاع أسعار مستلزمات الصيد بنسبة 100% والمستهلك يصرخ هذا حرام ويصمت لأنه لا يملك إلا أن يركع ويخضع ويقنع نفسه أنه لا حيلة ولا وسيلة، فالسمك بالنسبة لأبناء الإمارات كالماء والهواء وأهم من الكهرباء· ووزارة البيئة والمياه وكأنها تريد أن تقول دعهم ''حيلهم بينهم'' و''طالما سلمت أنا وناقتي ما عليّ من رباعتي'' هذا المثل نسوقه هنا لأن المسؤولين في وزاراتنا يتعاملون مع القضايا الملحة والمهمة بالقطعة ولا يعالجون القضايا ضمن استراتيجية وطنية لحماية الإنسان ومهنته ومعيشته ولا يلتفتون إلى المشكلات التي تؤرق الناس إلا بعد فوات الأوان وبعد أن تصير الأمور في خبر كان وتصبح في ذاك الزمان وليس الآن· مهنة الصيد مهنة تمس الجوهر وتلامس المحور ولا مجال للاعتماد على الذاكرة ونسيان ما كان لأن ذاكرة الإنسان في بلادنا يمكن أن تتجاهل كل شيء إلا ''هسوسة'' السمك· هذه الرائحة التي تسكن الروح والجسد وتجري مجرى الدم في العروق· فهي مهنة من تعاطوها على مدى الزمن ومنذ أن مدّ الله البحر لساناً شفياً على هامة الأرض وهي أيضاً معيشة وحياة من نمت أجسادهم على لحم وعظم الشعري والهامور والصافي· الأمر الذي يجعل لتحذير الصيادين مغزى ومعنى ومضمونا يجب أن يصان ويحفظ في القلوب والعيون ويجب أن تستيقظ أفئدة الذين أنيطت بهم مسؤولية الرعاية والعناية والوقاية لحفظ حقوق الناس ولدرء الخطر ومنع حدوثه حتى لا نقول بعدها يا ليت لأن التمني والأسف لا يشفعان ولا ينفعان ولا يخدمان للود قضية ولا يقدمان حلولاً لمشكلة عصيّة· يجب أن تستنفر هذه الوزارة ويجب أن تنفض الغبار عن كاهلها لمنع الأعذار وكبح جماح الأسعار التي صارت تكوي جلود الناس وتشوي أكبادهم من شدة الارتفاعات المتصاعدة في كل شيء وحتى في السمك الذي هو، الكل في الكل، ولا كل مثله غير حياة الإنسان التي أصبحت مهددة بالفقر والعوز· يجب أن تنهض وزارة البيئة والمياه لتعرض ما تستطيع توفيره حتى تسد الرمق وتمنع الرهق وترحم الجدار المتصدع من شدة النزف، يجب أن تقول الوزارة كلمتها وتسطر فعلها بالعمل الجاد والمجدي وتسدد فاتورة النسيان· نحن بحاجة إلى السمك كما نحتاج إلى التنفس ونحن بحاجة إلى خدمة الصيادين كحاجتنا إلى الجندي والشرطي، نحن بحاجة إلى سواعد الصيادين لأننا من غيرهم لن نأكل إلا الدجاج المحقون بالهرمونات ولحم الأغنام القادمة من القارات الخمس بعد تجميدها