صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

عن الديمقراطية في العالم الثالث

الديمقراطية، كلمة ترن في الأذن كأنها أجراس اليقظة من سبات عميق، ودعوة مباشرة للذهاب إلى مدرسة الحياة، بثقافة الانتماء إلى الوطن الواحد، والانحياز إلى الآخر، لصياغة واقع اجتماعي يقوم على التكاتف والتلاحم، لبناء مجتمع نظيف نقي من شوائب الاحتقان، والارتهان لنوازع ذاتية مريضة وبغيضة، تطحن وتسحن وتزيد من شعواء الفتن .. عندما يعاني الإنسان سهداً من عقد، ويكابد الأمرين من مشاعر مختلطة ومتناقضة ومتصارعة، فإنه لا يفهم معنى الحوار، ولا يعرف مغزى التداخل مع الآخر، وبالتالي ينطفئ وينكفئ، ويحيط نفسه بشبكة معقدة من الأهواء والأنواء والارزاء، هذا ما يجعله عدواني الطبع، لا يستقر على حال، ولا يهدأ له بال إلا عندما يرى بأم عينيه، الخراب والاضطراب والاحتراب بين أفراد المجتمع الواحد، الأمر الذي يجعل من الديمقراطية في وضع كهذا، أشبه بالقبر، ومن يزاولونها ويتداولونها بحفاري القبور. فالديمقراطية وسيلة وليست غاية، وإذا كانت الأدوات، وهم الناس، غير مؤهلة وغير مهيأة لتعاطي مثل هذه الوسيلة، فإنها تتحول إلى وباء ووبال، وداء عُضال، يفتك ويهتك، ويصيب أداة المجتمع بفئاته وشرائحه كافة.. هناك في مجتمعات العالم الثالث أمثلة على دول، الانتخابات فيها على أوجهها، سواء برلمانية أم رئاسية، هذه الدول نفسها تعاني تفاقم الأمية، واستفحال الفقر، وتفشي المرض، وهي مجتمعات لم تزل تعيش عصر ما قبل ميلاد الإنسان المتحضر.. دول فقط خصصت البرلمانات، والانتخابات إلى حروب طوائف، ومعارك ضارية بين فئات خلافها على اللون أو الدين أو العرق.. وإذا كانت الديمقراطية لم تستطع أن تمحو هذه النزعات المتخلفة، فما قيمتها وما جدوى رفع درجة الحناجر، بحيث تصبح أبواقاً تهدر في صحراء خاوية، قاحلة جرداء. الديمقراطية الحقيقية تبدأ من الفرد، وعندما يستطيع هذا الفرد أن ينتصر على ذاته، ويتجاوز محن عقد الانطواء والمكابرة، عندما يستطيع الفرد أن يستوعب قيمة الآخر في المجتمع الواحد، يكون قد حقق جزءاً مهماً من ديمقراطية الاندماج، والاعتراف بحق الآخر في بناء المجتمع الواحد .. لا نستطيع أن نمارس الديمقراطية بقرار مفاجئ، وإنما هي تنشئة وتدريب وتهذيب، وتشذيب، يبدأ من البيت ثم المدرسة، ثم الشارع، فالمهم في الديمقراطية ليس معارضة الآخر، وإنما فهمه، ولكي نفهم الآخر لا بد من سماع رأيه، واحترام هذا الرأي، وبذلك نكون قد تخلصنا من كثير من العقد العصبية الجاهلية، وتخلصنا من قوة عنترة الذي يهزم جيشاً عرمرماً بكامله .. فالفرد جزء من المجتمع ومن دون الكل، تصبح الديمقراطية المدعاة هراء في خواء، وعواء في صحراء، لا صدى ولا معنى ولا قيمة ولا جدوى لها.. ولكل مجتمع وسيلته وأدواته، التي يدير بها شؤونه، ولا شيء مقدس، كما أن الديمقراطية ليست الوسيلة الواحدة والوحيدة. علي أبو الريش | marafea@emi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

الكاتم

قبل 21 ساعة

الكاتمة

قبل يوم

طفرات وصور داكنة

قبل 3 أيام

سفر

قبل 4 أيام

أشواق

قبل أسبوع

صداقة

قبل أسبوع
كتاب وآراء