تحدث الشاعر الأشهر ت. إس. إليوت عن ما أسماه “سن الفقد”، وكان يعني بذلك أن الشاعر في أول حياته يعتمد على مخزون وجداني وشعوري يدفعه إلى التعبير عنه والإبداع، ولكن هذا المخزون أشبه بالبخار الذي يحرك القاطرة، إذا فرغ توقفت القاطرة عن الانطلاق، وكذلك الشاعر إذا جاوز مرحلة الشباب ووصل سن النضج، يكون المخزون الوجداني الدافع على الكتابة قد قارب النفاد، وعلى الشاعر، في هذه الحالة، أن ينتقل من الاعتماد على الانفعال الوجداني إلى الثقافة، ينهل منها ما يتأمله وجدانيا، وما يفتح له من أفق كانت مجهولة له، تغويه باكتشافها لأنها تظل في حاجة إلى الكشف، وعندما يحدث ذلك يكون الشاعر قد نضج حقا، وانتقل من العاطفية الوجدانية قصيرة العمر إلى التأمل الشعري الذي لا عمر له. وعلى أساس من هذه الفكرة، قام إليوت بتفسير صمت الشاعر الفرنسي أرتور رامبو عندما وصل إلى سن الثلاثين عندما لم يعالج سن الفقد بالترياق الواجب، فصمت عن كتابة الشعر، بعد أن غاض نبعه في وجدانه، وقد تطوحت به المصائر بعد ذلك، فهاجر إلى إفريقيا، واشتغل، ويا للخجل، في تجارة العبيد، وظل في أدغال إفريقيا فاقدا النبع الشعري إلى أن مات في سن مبكرة. وكان موت رامبو مقترنا بما أطلق عليه إليوت “سن الفقد” يعني تلك النقطة الحرجة، مفرق الطرق بين الاستمرار في الشعر أو التوقف عنه، وأنا أعني الشعر الحق، فما أكثر من يصلون إلى سن الفقد، ولكنهم يستمرون في كتابة قصائد خالية من الروح والقيمة، ويظل هؤلاء المتشاعرون يحسبون أنفسهم شعراء، ولكن بلا تأثير في أحد، وهو وضع يذكرنا بالأحياء الموتى، أو الموتى الأحياء. وعلى النقيض منهم تماما الشعراء الذين يقتحمون عوالم الثقافة قدر اقتحامهم عوالم الوجود، واصلين ذلك بالفكر الذي يجمع ما بين الشعر والفلسفة، ويمزج بينهما المزج الخلاق الذي ينطلق بالأفق الشعري إلى أرجاء الكون، ليجعل من الكون نفسه موضع مساءلة، وذلك في الوقت الذي لا يكف فيه عن مساءلة نفسه في علاقته بالكون وأسئلته الكبرى. وعندما يصل الشاعر إلى هذا الأفق يبني لنفسه مكانا عاليا في تاريخ الشعر، وينزل نفسه المنزلة التي نزلها المتنبي وأبو العلاء في التراث الشعري، وأدونيس وصلاح عبد الصبور في تراثنا الحديث. قد نقول إن المتنبي أضاع جانبا كبيرا من موهبته في المديح وأسرف على نفسه في مدح الحكام، ولكن عندما كان المتنبي يصغي إلى صوته الشعري الخاص، ويهجر المدح والهجاء، ويتأمل في حال وجوده ومرضه، كان يصل إلى ذرى الشاعرية، تلك الذرى التي كان يصل إليها في بعض مقدمات قصائده، مثل كلامه عن الليل في إحدى مدائح سيف الدولة، أعني القصيدة التي مطلعها: لياليّ بعد الظاعنين شكول طوال، وليل العاشقين طويل