هذا الصيف.. هذا الضيف، يأتي في كل عام، حاملاً على كتفه حبات الرطب، وأمنيات الناس، بأن يصيفوا ولا تجلد جلودهم، ملوحة العرق، وما استبدت من حرقات، وشهقات وآهات، لكنه الصيف، سمته أن يكون حاراً وصفته أن يكون رطباً، ومن خصاله وشيمه أن يزف البشرى ومعه خرقة من الحجرات اللاهبة، لكي يذكر الآخرين بأنه مقبل لا مُدبر، وأنه يحلم كما يحلمون، بوجود يؤكد ذاته وشهوره اللامعة، بقطرات الندى.
هذا هو الصيف، ولكن الناس، الناس الذين يحزمون حقائبهم ويذهبون بعيداً، عائلات وفرادى، تاركين الجدران، تنز بالماء والملح، مودعين منازل الاستقرار، تحن إلى الذين رحلوا، ولم يبق غير الصمت الرهيب، وذوي الأيدي الخفيفة، التي تسرق كل ما خف وزنه، وغلا ثمنه.. وكثيراً ما تحدث كوارث في البيوت الخالية، إثر تركها محاصرة بين أنياب التيارات الكهربائية التي لم تعطل قوتها، فتكون نذير سوء على أصحابها.. نسمع كثيراً عن السرقات في الصيف لأن اللصوص الهائمين في الأزقة والحارات يقتنصون الفرص، فيغتصبون الحق، ويعمون الحقيقة، ويسلبون ما هو ليس لهم به حق.. ونسمع كثيراً عن حرائق تلتهم الأخضر واليابس، في بيوت هجرها أهلها، هرباً من (الصيف.. الضيف) داعين عين الصدفة تحرس ما خلَّفوه وراءهم من مدخرات، وما شقت من أجله القلوب وتعبت بشأنه الأبدان.. غفلة الإنسان، وتحت سطوة الرغبة في السفر، تجعله يخسر كثيراً، ويتحسر كثيراً ويفقد حلاوة الرحلة غير الميمونة.. إهمال ولا مبالاة، يكلفان كثيراً، ولا يبقى غير الندم، يوم لا يفيد الندم على ما انعدم، وصار مجرد سراب.. نقول لكل مسافر “مرافج خير” ولكن، نتمنى له أن يكون واعياً، وأن يكون حريصاً على مأواه، وما بذل من أجله الجهد والكد، وأن يكون حريصاً على أفراد العائلة وهو في الغربة، وبالذات هؤلاء الفلذات الذين فرحوا كثيراً بالسفر، وملأوا حقائب القلب بالبهجة والسرور والأحلام الوردية.. نقول لكل مسافر، لا نتمنى أن تتكرر مآسي الأعوام الفائتة، ونفجع بخسارة فرد من أفراد مجتمعنا.. سافروا، وارحلوا، واستمتعوا، لكن لا تفرطوا بواجب الاهتمام بالصغار أولاً.. فهؤلاء أمانة في أعناقكم، فصونوها، حتى لا يصير السفر أسوأ من الحر، وأشد فتكاً بالقلوب والأجساد.. نقول لهم: في البدء كونوا يقظين، نابهين، ولا تسلب عقولكم دوخة السفر، كونوا على وعي تام، إن السفر للمتعة، وليس لفقدان كل ما نملك من مال وعيال.. مع تمنياتنا لكل مسافر، برحلة موفقة.


marafea@emi.ae