لا أعرف لماذا حينما يبدأ الكثير من رجال الدين في الكلام، يرفعون أصواتهم، رغم أنها من المنهيات الدينية، والمحظورات الأخلاقية، وإن تسلم واحد منهم زمام المايكرفون انفجر في وجوه الناس واعداً، متوعداً، مهدداً، منفراً، فلا يترك للآخر فرصة الاستماع، ومعنى الإنصات، ولا يجعل فكرته تأخذ طريقها إلى قلوب الناس بهدوء، إنما يشوشها بالزمجرة، ويشوهها بالزبد، وتضيع الفكرة في خضم تلك الجلبة.
لكن هناك شخصيات دينية آسرة، بعمق الفكرة، وعذوبة التعبير، وجلال الحضور، وهيبة الصوت المستقر الواثق، لعل أبرزهم العلامة محمد حسين فضل الله الذي انتقل إلى جوار ربه عن عمر يناهز الـ75 عاماً قضاها في حوزات العلم في النجف الأشرف طالباً حيث ولد عام 1935م، ثم أصبح أستاذاً للفقه والأصول في الحوزة العلمية الكبرى في النجف، عاد إلى لبنان عام 1966م، وأسس حوزة “المعهد الشرعي الاسلامي”، ورعى الكثير من المشاريع الخيرية والاجتماعية، حصل على لقب آية الله العظمى، الذي يطلق على كل من يحصل على درجة الاجتهاد في الفقه الشيعي، وقد جمع فتاواه في كتاب “فقه الشريعة”، كان المرشد الروحي لحزب الله في بداية تأسيسه، أنشأ المقاومة الوطنية في لبنان، ترك منصبه بعد أن قال رأيه في مسألة مهمة تعد ركناً من أركان حزب الله الثوابت، وهي ولاية الفقيه المطلقة، كما دعا إلى عدم سب الصحابة وأمهات المؤمنين، وأنكر حادثة كسر ضلع السيدة فاطمة الزهراء، وغيرها من الأمور التي رأى فيها مغالاة، وتفسد أحوال المسلمين، وتضر بالإسلام، أصبح غير محبوب من إيران، لكن من يحبه كثيرون في العالم، وبمختلف الطوائف والملل والنحل، كان يقود تيار الاعتدال، ويرفض التعصب والغلو، فأصبحت له هذه المكانة العالية بين الجميع، وقد أسرتني كلمات السفيرة البريطانية في لبنان “فرانسيس غاي” في برقية عزائها: إن غياب فضل الله سيتجاوز أثره شواطئ لبنان، فعند زيارته يمكنك أن تكون متأكداً من حصول نقاش حقيقي مع جدال محترم، وتعلم أنك سوف تتركه مع شعور بأنك أصبحت شخصاً أفضل”.
ولعله من سوء الطالع أن نفقد في الأسبوع نفسه مفكراً تنويرياً حراً، مثل د. نصر حامد أبو زيد الذي بدأ حياته عصامياً، ومجالداً للحياة، ومطلعاً على الثقافة، كان يعمل فني لاسلكي، لكنه تمكن أن يجتاز الجامعة بامتياز ليصبح معيداً فيها، كان من أنصار العقلانية، وناقداً للأصولية، كان يرى تحديث الإسلام، لا أسلمة الحداثة، فحاربته الأصولية بكل سطوتها، فطرد من جامعة القاهرة، وحرم من الدرجة العلمية، واتهمته بالكفر، وأصدرت حكماً بالتفريق بينه وبين زوجته أستاذة الأدب الفرنسي، فهاجر إلى هولندا، ورحبت به جامعاتها، ونشرت كتبه الكثيرة، لكنه عاد ليستقر في قرية قحافة مسقط رأسه، ليسلم رأسه ترابها!


amood8@yahoo.com