يحق للعرب دون سواهم من الأمم أن يصفوا أنفسهم بالمتفرجين، فالفعل العربي غائب في كل المجالات، وأولها وآخرها الرياضية، فاليوم وخلال بطولة كأس العالم، لم نسمع غير الصراخ العربي فالمشجعون والموالون والمؤيدون عرب، واللاعبون والمبدعون آخرون اكتسبوا اللعبة العالمية الشهيرة عن جهد وكد ودراسة واستراتيجيات حتى بلغوا ما بلغوا.. خلال هذه الدورة التي شغلت الناس وأنهكت حناجرهم، وأهلكت مشاعرهم وأتعبت أجسادهم انتصبت المقاهي مزغردة وباتت النواصي مزدهرة بالحشود المتفرجة، وبانفعال بالغ لم يسبقه انفعال، ولم نشهد له مثيلاً في قضية من قضايانا الجوهرية.. صارت الفرجة سمة من سماتنا، والتصفيق للآخر صفة من صفاتنا، نقف على الحياد والحياد السلبي الذي لا يقدم ولا يؤخر، ولا يغني من شظف.. نتفرج ونشجع ونراهن على فوز هذا الطرف على ذاك، وننتقد هذا الفريق الذي لم يقدم شيئاً، ونعلن عن إفلاسه.. نخوض معارك ضارية في النقاشات والجدل، والحوارات التي قد تتطور إلى شجار وعراك وخصام فقط لأن شخصاً شجع فريقاً ولم يشاطره أحد مشاعره.. وفي البيوت تستجد معارك طاحنة بين الزوجات المشغولات في فك شغب الصغار وبين الأزواج الذين تفرغوا فقط للفرجة ومتابعة كأس العالم دون بقية القضايا المنزلية.
ويبدو لي أن التفرج لم يأت من فراغ، بل لأن الفراغ وسيع في ساحتنا الرياضية، ولا مثال ولا نموذج لدينا، انصرف الكثيرون باتجاه الفرق التي تقدم شيئاً باسم بلدانها، ولحل العقدة تماماً فإن العشق الكروي، أصبح دافعاً قوياً لأن نحب هذا الفريق ونبغض ذاك، ونعتبره وكأنه فريق جاء من إحدى العواصم العربية.. صحيح أن الرياضة فن من الفنون، ولا تحمل عنواناً معيناً ولا جوازاً مميزاً، ولكن رياضتنا نحن ليس لها عنوان، ولذلك، اتجه الناس من العرب والأعاربة إلى حصون جنوب أفريقيا، حيث تتبارى الأسود، وتكشر عن الأنياب والمخالب، متحفزة من أن الظفر بالكأس اللامعة والشهرة التي سوف تدر على كل لاعب الملايين من الدولارات.. دول صغيرة ولا وزن سياسياً لها على الخريطة العالمية، إلا أنها لم تزل تناطح وتصارع من أجل ترسيخ الأقدام على المستطيل الأخضر، وبينما الخريطة العربية من المحيط حتى الخليج العربي، لم تزل بعد تتفرج وآخر فريق حاول هو فريق الجزائر إلا أنه لم يستطع إكمال المشوار أو حتى تجاوز نقطة الصفر، لنبقى جميعاً نتفرج ونتشاجر مع زوجاتنا لأجل أن يفوز غيرنا.. ولكن كم هو جميل لو بقينا نتفرج على فريق عربي وصل إلى النهائي.. أو حتى ربعه.. أو نصفه.. ولكن....؟


marafea@emi.ae