في رمضان المبارك أتحفنا مسلسل ''شعبية الكرتون'' بسلسلة من اللغات واللهجات المهجنة والمعجنة و''المرطنة'' حتى نهنهنا ولم نعد نعرف من أين جاء هذا المسلسل، فهو بلا هوية ولا سوية، وكأن المؤلف والممثلين أرادوا أن يقولوا لنا دعكم من الهراء فنحن في بلد بلا هوية ولا سمة ثقافية ، نحن خليط من اللغة الهيروغليفية القديمة وعليكم أن تستعدوا لزخ وضخ من هذه المسلسلات التي تعجن اللغة العربية وتسحنها وتطحنها وتلعنها وتفتك بحابلها ونابلها وسافلها وتجعلها في الحضيض والرضيض·· لقد تفنن الممثلون وأبدعوا في صناعة لغة جديدة تجعل من مجتمع الإمارات مجتمعاً يعيش في فضاء خارجي خارج فضائه الثقافي العربي، وخارج محيطه اللغوي الذي نشأ وتربى عليه منذ أن خلقت البشرية على وجه الأرض· أقول وبكل صراحة يجب أن نحذر وأن ننتبه بأن هناك تياراً يحاول أن يقرب المجتمع وأن يسرب للجيل الجديد ثقافة مبهمة غامضة بلا معنى ولا مضمون، ثقافة تتحلل من مسؤوليتها التاريخية والوطنية وتوصم الفكر بسبب اللامبالاة والمغالاة في الفوضى والعشوائية·· فعرض مسلسل على شاشة تليفزيون هذا يعني ان أي كلمة أو أي فكرة تطلق من هذا المسلسل تصل إلى كل عقل وكل قلب ، الأمر الذي يجعل من الواجب على أي وسيلة إعلامية ،وبالأخص في حالة عرض عمل درامي ، تحري الدقة في تناول الموضوعات ذات الطابع الثقافي·· فاللغة بالنسبة لنا كائن حي، يتحرك في دمائنا، وإذا قتلنا اللغة فهذا يعني إصابتنا بسرطان الدم القاتل ، ولا شك أن مسلسل ''شعبية الكرتون'' تعامل مع اللغة بفكرة كرتونية علبت ثقافتنا وصدرتها إلى مناحي بعيدة عن أصولها وفصولها واستطاع المسلسل أن يحقق بنجاح رغبة التهميش وعزل لغتنا عن مجتمعنا والاستعاضة عنها بلغة جديدة أشبه بالسلع المقلدة·· ألا يكفينا معضلة العجز اللغوي والكساح الذي يصيب معظم طلابنا وخريجي جامعاتنا وما يعانونه من فجوة واسعة تفصلهم عن لغتهم الأم·· اللغة العربية·· أريد أن أوضح أننا يجب أن نتعلم لغات العالم وهذا واجب لأنه كما يقال من تعلم لغة قوم أمن شرهم، ولكن تعلم اللغة الأجنبية ينبغي ألا يلغي من أذهاننا الإصرار وبقوة على فهم لغتنا أولاً والتشرب من مائها ودمائها لأنها لغة التواصل الأول وهي منهجنا ووسيلتنا وسبيلنا في الحياة للتواصل مع الآخر، فالتطور لا يعني إلغاء الثوابت والقفز على الحواجز وتجاوز حدود المنطق·· لغتنا لغة الحلم الجميل والشعر الأجمل، والفكر الذي صنع بداية الانفتاح على الوجود ومحيط الكرة الأرضية· لغتنا مفتاح الفلسفة والتطلع إلى الغامض والمبهم بعقل متوقد وقريحة واعية فيجب أن يراجع الكثيرون أنفسهم ، خاصة الذين يتصدون لبرامج جماهيرية تهم حياتهم وتدخل في صلب تفكيرهم اليومي·· فاللغة خط أحمر لا مجال للعبث في مياهه ولا اللهو في فضائه، ولا المزح في التعاطي معه·· اللغة هواؤنا الذي نتنفس منه فلا نريد تلويثه بعوادم، وغازات سامة تحول بيت اللغة إلى غابات محروقة لا يتصاعد منها غير الدخان الخانق··