صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

استراحة الجمعة

على غير عادة عمود كل جمعة حين نسافر في المدن والناس، نستذكر ما خبأته حقائب السفر من أفراح صغيرة، ومن تفاصيل، وأصبحت اليوم جزءاً من ذاكرة الناس، ومن يوميات الحياة التي فرت من بين أصابعنا هكذا· استراحة الجمعة هي الذاكرة المسافرة، مرة باتجاه المدن، ومرة باتجاه الحالات، وهذه المرة ستكون في شاعر وكاتب وناقد ومفكر، أو يمكنه أن يختزل حين يريد كل تلك الصفات لتعني واحداً بعينه، أدونيس· هو أكبر من تلك الصفات حين نريد أن نقارن، هو أغنى من تلك النعوت حين تختلط الأمور، وحين تكثر الموائد، ويكثر المتطفلون، وحين يستل شويعر سيف المتنبي ويجرح به الحروف، وحين يطل شاعر برأسه الذي لم ينبت الزغب فيه بعد، قاصداً حرق المراحل، ولا معترفاً بأن عنترة كان فارساً أولاً، ثم شاعراً، ثم أنه كان قليل الكلام· سفرنا اليوم مع مشروع ثقافي، أممي، تنزه عن الغث، والعلك، يبدو كصوفي غارق في المعرفة، غارفاً من الأنوار، والفيوضات، وصفاء الأشياء، سابحاً خلف الأسئلة، ووجع الكاف والنون والقلم وما يسطرون، همه الإنسان والحب والحرية، وتلك الأشياء التي تعجنها سيرورة الحضارة، وديمومة الإبداع، ليبقى عمل الإنسان وفعله والصفات المثلى، كان وما زال يؤكد أن الإنسان قوته وقوّته في معرفته، وحين تسمو المعرفة تخرس طبول الحرب، حرب الإنسان لنفسه، وللأنا التي تسكنه كجثة دب عجوز، وللآخر ذاك الذي ابتدع الحرب من أجله، ومن أجل مساحة أكبر، وزهو بنصر خالطه الدم، والجرح الذي يصنعه صوت الخنجر الثلم حين يحتك بالعظم· ولأن أدونيس ممتلئ بالنور·· مغسول بالماء والثلج والبَرَد·· وقلبه مشرّع لكل صفير الريح من جهاتها الخمس، يخرج من تلك الظلمة رجل متكئاً على عصاه، متعمماً بالجهل حتى قفاه، متسربلاً بالكتل النصيّة، لسانه لسان أهل عاد، وقوله قول أهل الأوتاد، ليرغي ويزبد، ويتفيقه، قائلاً: كفّروا هذا المُحدث، المحُدَث، الحداثي، فطيور فكره كثيرة·· ومهاجرة·· ويمكنها أن تتظلل بفيء البيوت، ويمكنها أن تحل على أغصان شجر البيوت، ويمكنها في ساعة نزقها أن تفجر بالأسئلة البيوت·· ويمكنها أن تزرع عشباً أخضر حول البيوت، والخير كل الخير أن نخرجه من أرضنا هذه، ومن لغتنا هذه، ومن ملة سادتنا الصِيد، وليعش مغضوباً عليه، مسكوناً برجس المجوس، ونارهم الزرقاء الموقدة· وحده أدونيس حين يتناهى لسمعه تلك الخطب الأسمنتية، يفتح نافذته الزرقاء، تلك التي تلتصق بالجدار الأبيض، وتطل على البحر الأزرق، الأبيض، المتوسط، ويأخذ نفساً من سيجاره الكوهيبي الذي يتوسط أصبعين نحيلين، ويتطلع إلى تلك السفن البعيدة الذاهبة والآيبة، فرحة بالماء وما تحمله من زينة المدن للقلوب، قريبة من الجاري والمتحول، بعيدة عن الثابت والآسن والذي تحده الجهات· أدونيس·· أحيك أينما تكون، واسمح لي أن أقول: إنني أحبك، واسمح لي أن أكبرك، أكبر فيك هذا السمو، وهذه السماحة، لأنك تستحق غاراً من فروسية النبل، ووشاحاً من نبالة الفرسان، واسمح لي أيضاً أن أضع قبلة حقيقية على ذلك الجبين، لأنه كان دوماً عالياً، وممتلئاً بالشعر والفكر والنور·· واسلم أبداً·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء