كلفت بمهمة تقتضي تواجدي في مدينة العين وهممت بالرحيل إليها وفي حقيبتي ملابس تليق بالعمل، هدايا من مقر عملي و كتاب شرعت في قراءته مؤخراً لتكريس مفاهيم الكرامة وعزة النفس. وفي الطريق “إليها” من العاصمة كان بداية الغرام، ففي كل حدبة ومن خلال كل بعير وناقة رأيت نفسي و تصورتني صغيرة أمد يدي التي أهلكتها الجراثيم بتمرة صغيرة لحوار أو قعود حشرته تفاصيل الفضول بمنأى عن والدته. وهاج الخيال عندما اختلط الأخضر الممتد مع احمرار الرمال وهذب الفكر محاوره فتجانس معها حتى فاضت الصور المرئية بالبلاغية والدلالات بالواقع فأوقفت سيارتي وتلقيت جرعات الغرام وهواجسه، فالحب يصيب المرء كما يقع الطلاق البائن بينونة كبرى يكون أكيدا ومؤكدا وتليه مرحلة أكيدة. سرعان ما فعلت سير المركبة لإدراكي الوقت وتثمينا لأولئك الذين يتوقعون حضوري في الموعد المحدد والذي أصبح مهددا بظروف الحب التي قدرها لي المكان فصرت أتمنى بعد ساعة الاجتماع وقرب انتهائه حتى أتفرغ لجمال طبيعة العين التي استحوذتني. وبعد إتباع التعليمات والإرشادات هممت بالدوران على دوار الجبل، دوار الخيمة، دوار الفناتير ودوار المدخن ووجدت نفسي في مقر الاجتماع وقد رتبت طاولة اجتماعات يقابل كل منها كرسي وعليها ملف فيه دفتر وقلم وعلبة فيها ميدالية مفاتيح والقلم عنى لي الكثير، ففي بساطته رمزا لما سيعني الحبر عندما يلامسه القرطاس. وجاء فريق المحاورين فكانوا على مستوى رفيع من الفداء و التفاني في حب الوطن ليتبرعوا بثمين وقتهم لخدمته متحدين المتعارف عليه ومكرسين لواجب يعرفه المخلصون دون سواهم. وبعد التحية و الملاطفات المؤثرة لنقائها دخلنا في قلب الموضوع فتصارع حبي لمدينة العين بحبي لأهلها. وقال شاب في عنفوان شبابه “نحنا يادكتورة نبني نخدم بلادنا و الله يقدرنا على رد الجميل”. وعندما انزويت لنفسي ركضت راقصة تلك الدمعة التي بشرتني بان هناك من يخاف على بلادي، فلم أواصل قراءة كتاب الكرامة الذي جلبته معي واستسقيت عزة النفس مما أغدقتني به العين وأغرقني أهلها. وقبل الغروب سارت مركبتي، حيث بسطت “مبزرة” الخضراء ذراعيها للمرتحلين و صغار المغامرين والذين سعيت لتحديهم بطريقة مبطنة حتى تقدمت مقتربة من أصحاب الخيول والجمال، فعزمني أحدهم “مدام خذي ال”بوني” ده ح يعجبك أوي، سدأيني ده ب خمسطعشر 15 درهما بس مع التصوير لو حدرتيك عايزه”. وقبل أن ارد على طلبه فاجأتني شمس الأصيل بذوبانها السريع، فهرعت إلى سفح جبل حفيت وعندما وقفنا خاشعين لما خلق الرحمن من جميل، سألتني عبير “لماذا يحب بعض البشر الشفق ويعشق بعضهم لحظات شروق الشمس و أنا منهم؟” فما أن حاولت النبس بكلمة حتى وصلتني رسالة نصية تقول “السلام عليكم دكتورة عائشة !اشتقت إلى الحديث معك فآثرت أن أكتب، كلما واجهني شخص في الحياة بعدة وجوه وعدة قلوب أتذكرك لأنك لا تملكين غير وجه واحد وقلب أوحد. أراك على خير. سماء الخالدي” وسلمت الشمس. فقلت لعبير: أدعو الله أن يحفظ العين من العين. د. عائشة بالخير bilkhair@hotmail.com