صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

فرصة للعنونة

ذات مرة كنت في العاصمة البريطانية لندن، ورغبت بزيارة صديق مقيم في بلدة مجاورة لحاضرة هولندا امستردام، استخدمت قطار “يور ستار” عبر النفق الأوروبي لباريس ومنها إلى بروكسل، وبقطار محلي إلى مدينة اوتريخت الهولندية وبالحافلة حتى وجدت نفسي أمام منزله لمجرد أنه زودني بعنوانه من دون أن أحمله مؤنة انتظاري في المحطة او عند معلم نتفق عليه كما يحصل عندنا.
وتهبط في عاصمة عربية قديمة كالقاهرة، وتزود سائق “ليموزين المطار” بالعنوان الذي تريد، فتصل اليه من دون اي عوائق، إلا إذا “تذاكى السائق”. ونفس الشيء اذا ما أوقفت سيارة أجرة قاصدا اي منطقة من هذه المدينة العريقة. وفي مدينة عدن اليمنية التي رحل عنها البريطانيون بعد نحو 130 عاما، لا زال السكان تصلهم رسائلهم البريدية الى منازلهم التي يسهل الاستدلال عليها بفضل نظام العنونة الكفوء الذي اقامه البريطانيون هناك منذ اكثر من خمسين عاما.
أستعيد هذه المشاهد، وسيل تعليقات القراء يغمرني معقبا على موضوع عنونة الطرق والمناطق السكنية في أبوظبي، والذي تناولته عبر هذه الزاوية امس الأول. ولعل من التعليقات الأكثر مرارة ما ذكره احد الإخوة القراء من سكان مدينة “خليفة أ” الذي اتصل طالبا الإسعاف لنقل زوجته المتوعكة، ليجد سائق سيارة الإسعاف معاناة كبيرة في الوصول للمنزل، لصعوبة الاستدلال عليه من جراء غياب نظام فعال للعنونة. وتحدث قارئ آخر عن رحلة تيه خاضها استغرقت نحو خمسين دقيقة لكي يخرج من بني ياس إلى مدينة خليفة لذات السبب.
وعلق قارئ على مشهد بين زائر أجنبي وسائق سيارة “أجرة فضية”، وكيف كان بيد الزائر ورقة عليها عنوان لم يستطع السائق الاستدلال عليه، لأنه لا يعرف قصة الشارع المرقم ولا الحوض المحدد له.
لقد كان أمام بلدية أبوظبي فرصة كبيرة لبناء نظام للعنونة فعال سواء في الأحياء والمناطق الداخلية داخل العاصمة أو المناطق الحضرية الجديدة خارج جزيرة أبوظبي، رغم أنها أنفقت مبالغ ضخمة على النظام الجديد للعنونة الذي لم يعمل وانهار في تجربته، لأن المستخدمين المفترضين له لم يتعرفوا عليه ويستوعبوه لصعوبته من جهة، ولأنهم من الجهة الأخرى اعتادوا واستسهلوا طريقة استخدام معالم معينة للوصول الى المقاصد مثل وجود بقالة او غيرها أسفل البناية وغيرها من طرق الاستدلال. ولكن عندما تكون في منطقة كالشامخة او مدينة خليفة والضواحي الجديدة، لا تجد أمامك الا الدوارات تعدها وتحسب المداخل.
احدهم كان يستدل على مدخل للطريق بفيلا قيد الانشاء، فلما اكتملت تاه مع التائهين الذين أصبح الشباب منهم يلجؤون الى انظمة “الجي بي أس”، وهؤلاء قلة قياسا للعدد الكبير ممن يعانون، كالذي امضى ثلاث ساعات داخل الشامخة للوصول الى حفل عقد قران نجل صديق له.
إن بلدية أبوظبي مدعوة للتفاعل مع معاناة الناس في تحديد أماكن مقاصدهم بتبني نظام عملي قابل للتطبيق، ومن دون ذلك ستستمر المعاناة.

ali.alamodi@admedia.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء