هناك رموز للحركة الثقافية والفنية والعمل الاجتماعي والسياسي، قاموا بدورهم الطليعي في فترة لم تكن بالسهلة ولا الميسرة، علينا أن نتوقف قليلاً حيال ما أبدعوا، ونتفكر كيف يمكن أن نرد لهم الجميل، ونخلد أسماءهم ومنجزاتهم، لأنها ليست ملكاً لهم، هي ملك للإمارات، وسأتطرق اليوم إلى واحد من الفنانين الأوائل الذي قدم فنه وبطريقة مختلفة والتصق بتفاصيل أهل الدار، وعبر عن هواجسهم وفرحهم.
جابر جاسم جابر جاسم المريخي، هكذا اسمه، من أهل دلما، ولد عام 1950م، تلقى تعليمه في أبوظبي وقطر، عمل بالفن، وهو ما يزال صغيراً، كان أول ظهور له على المسرح عام 1961م، ابتعث عام 1971 لدراسة الموسيقى في مصر في المعهد العالي للموسيقى، له صوت مؤنس وهادئ، يمتاز ببحة جميلة، وطبقة صوتية نادرة، ولكْنة واضحة لأهل أبوظبي، من الجيل الأول الذي اعتمد على موهبته، وثقف نفسه، شاقاً طريقه بنفسه، تعاون مع كثير من الشعراء أبرزهم الكندي، الذي غنى له،
شدو العربان بالكلي وتركوا ذا الروح ولهانه ?وين بلقا عقبهم أمسلي يا شبيه الريم في إخوانه
لحن لنفسه وللكثير من المطربين والمطربات كسميرة سعيد وعزيزة جلال ورجاء بلمليح، ظل أكثر من 30 عاماً يخدم الموسيقى والفن في الإمارات، وحافظ على أشعار كثيرة كانت مكانها في الصدور فقط، توفي مبكراً عام 2001، وهو في الواحدة والخمسين من عمره، أحيا العديد من الحفلات في الدول العربية بهدف التعريف وإيصال الأغنية الإماراتية الخالصة، في وقت كانت الوسائل الإعلامية قليلة ومقصرة، فأشهر الأغنية الإماراتية عربياً، حتى تغنى بأغنياته مطربون ومطربات عرب مثل أغنية
“سيدي ياسيد ساداتي” للكندي و”غزيل فلّه” لعتيق بالروضة الظاهري، له أغنيات وطنية، وأغاني بالفصحى وأغنية باللهجة المصرية، وتواشيح دينية، وله أغنيات ما زالت تطرب وجدان الناس، وأغنيات لا تشم منها إلا رائحة المكان والناس الجميلين ووقتهم الذي مضى، منها: “ياشوق هزّنيه هوى الشوق” و”ضاع فكري شالنظر فيهم” و”سلّمتلك في الحب تسليم” و”ياويل يا من ضاع فكره” و”صاح الزقر لمنادي”.
ليس ما أطلبه أمراً معجزاً أو مكلفاً لأبوظبي التي تهتم بالفنون والثقافات، ويفترض أن لا تنسى واحداً من أبنائها، والذي قدمها للناس وفق اجتهاده، وعبر صوته، ولا هو أمراً فائضاً في حق واحد من الجيل المبدع المعطاء، وأقلها أن ألف كتاباً عن حياته ومسيرته الفنية موثقاً بالصور وببعض النوتات للألحانه، أن أطلق اسمه على إحدى مكتبات التلفزيون أو الإذاعة الموسيقية، أن أسمى إحدى مهرجاناتنا الكثيرة باسمه لسنة واحدة مع احتفاء خاص به، وإصدار طابع بريدي بتلك المناسبة، أن أجمع كل أغانيه وأنقيها صوتاً وتقنية وأحفظها للناس والتاريخ.. ودمتم سالمين!


amood8@yahoo.com