صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

استراحة الجمعة

عجلة الزمن:
كثيرون يتحسرون على الزمن، يحملونه أخطاءهم ومصاعبهم·· قليلون من يرضون عن أعوامهم المنصرمة، الكبير يحنّ لماضيه ويحب أن يصغر، الصغير يتطلع للغد ويريد أن يكبر، لكن الجميع في النهاية في خسر، هي دورة الزمن، من يقف كالعصا؟ يوقف هذه العجلة التي تسير بسرعة لا نرضاها، من يعقر هذه الأحصنة الجامحة التي تجر عربة الموت؟ تسحب سنين العمر ولحظات السعادة والعنفوان·
ظهر جلجامش وتاه في الأودية والشعاب بحثا عن عشبة الخلود، سيزيف حمل صخرة وظل يدحرجها صعوداً إلى أعلى الجبل، جاء دون كيخوت وظل يحارب طواحين الهواء، هكذا نحن كل واحد فينا جلجامش وسيزيف ودون كيخوت، هل تهب بشائر تخفف من وهج الرحيل المر؟ هو الزمن، وهذه أعمارنا، والشبح يسير كالناقة العشواء، فهل نعيش ثمانين حولاً؟ وهل نسأم؟
خارج المياه الإقليمية:
ليت الذين كانوا معنا هنا، لم يتوقفوا هناك·· ليتهم واصلوا سيرهم نحو تلك الجبال، في القمة أشياء كثيرة لا تذكر ولا تنسى، لماذا خلعوا معاطفهم؟ كانت كافية أن تزملهم، وكانت كافية أن ترينا إياهم في حجم المحاربين·
يبدو الآن أن كل الرفاق في الوقت الجديد، وفي النظام الجديد قد خلعوا معاطفهم الثقيلة واكتفوا بلباس البحر·· يا زمن الرفاق المحاربين الذي ولى·
القاهرة: المدن صناديق فرجة·· كل مدينة تتسم بطابع يميزها·· لها أوجه عدة، مدينة القاهرة إحدى هذه المدن ذات الألف وجه·· ذات الألف مئذنة، خصائص وسمات تفرضها عليك الأمكنة، الوجوه، الأصوات وأشياء أخرى·· تجبرك هذه المدينة على العبث بعدة الكتابة، تهيج شاعريتك، تضطرك ولو كنت قاعداً تتناول إفطارك في زاوية منعزلة في مقهى ريش، أن تقفز بفرح طفولي، تذهب إلى الكشك المجاور، تشتري قلماً ودفتراً مهترئاً، يضطرب العجوز المؤتمن على الكشك باضطرابك، لا يعرف سعر الدفتر القديم، تضع في يده ما يرضيه، وتستقر في زاويتك، تختلس نظرة إلى العجوز الذي يتابعك من خلف نظارته مندهشاً، تنظر إلى إفطارك، وتكتب، يبرد الأكل، وأنت تكتب، تنتظر صديقاً أن يأتي في موعده في العاشرة، لكنه لا يأتي، نتمنى أن يتأخر لتكتب· تتفحص عيونك لافتات المحال، تتذكر ما مر بك، تثيرك من جديد - هنا أصل الفكرة، أصل الاضطراب - أسماء المحال والكتابة عليها، على الجدران، الجسور والملصقات المبثوثة هنا وهناك·· تذهب بك بعيداً·· أهي متنفس طفولي لحقيقة ما كانت تعبث به الأصابع الصغيرة على جدران المدارس والمساجد والدور؟!
خاص: نصف المدينة أنت ، فكيف نقطع آلاف الأميال من غير أن نحظى بنصف مدينتنا؟ نصفها الحلو أنت، فكيف نشرب قهوتنا؟ غيمها أنت، فكيف نستقبل مطرها·
غيبتك الأيام وغيبتنا، فكيف نقطع آلاف الأميال ونودعها ولا نودعك، لا عزاء لزوج الاثنتين أنت·· والمدينة·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء