صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

طاقات نهدرها بعلمنا وعملنا!

في المجتمعات المتقدمة أكثر فئة تجد الاهتمام والعناية فئة الأطفال والشباب، لأنها الفئة التي تشكل النسبة الغالبة من السكان، وهي الفئة التي ستدير دفة الإنتاج والتغيير في المجتمعات، لذا الأمر يصبح عادياً أن ترى وزارات متخصصة لهؤلاء، وزارة الطفل أو وزير وقت الفراغ أو غيرها من المؤسسات المختصة لتنشئتهم ومتابعة رعايتهم وإيجاد الفرص لنجاحهم وعملهم أو على أقل تقدير مساعدتهم ألا يكونوا عالة على مجتمعاتهم، وإعطائهم ما يسد احتياجاتهم المادية والمعنوية وإدماجهم في الأعمال التطوعية حتى يجدوا أبواباً للعمل.
في المقابل فئة الأطفال والشباب في الوطن العربي هي الأقل حظوة بالمنافع والخطط المستقبلية، والاهتمام بسير حياتها، فبعد التخرج يتكدسون في سوق البطالة، ولا يوجد آفاق مفتوحة على المستقبل، ولا إعانات مادية شهرية تقيهم الانخراط في أعمال الشر والإرهاب أو السير في طريق المخدرات والجرائم، حتى الأعمال التطوعية والمدفوعة الأجر الرمزي معدومة عندنا، وبالتالي تصبح فئة الشباب والذين كانوا أطفالاً في الأساس غير معتن بهم كفاية، ولا يوجد خطط لاستثمار مواهبهم، فئة أحلامها باتجاه ثراء غير مشروع، وجرائم قاتلة، ولو كانت ضد المجتمع وناسه، فقد تربي عندها بدلاً من التفاني والخدمة الوطنية حقداً مبطناً، ومحاولة تصحيح الأمور بالعنف عن طريق تكفير المجتمعات وزرع الرعب والتخريب في اقتصاد يعتقد أنه غير وطني ويمثل أشخاصاً لا مؤسسات ذات نفع عام، لقد تحولت طاقة الإنتاج عندهم إلى طاقة تخريب.
هؤلاء الفئة هم أكثر الناس تطرفاً بالنسبة لأعمارهم إن لم تلق التوجيه والإرشاد، وأكثر تقلباً في التفكير إن لم تجر محاولة الاستفادة من مقدرات الإبداع، وطاقات النشاط عندهم، فما بالك أن نشأوا ورأوا الفساد ينخر في المجتمع، والمحسوبية تسيّر الأمور فيه، وشهدوا انقلاب الهرم الاجتماعي، وغابت عنهم القدوة والمثل النبيل، والأبطال الذين يعدونهم نموذجاً في الحياة، أصبحوا إما تاجر مخدرات بثرائه الفاحش، وإما رجل أعمال نصّاباً أو غشاشاً، وإما ذا منصب عام يقتات على المال العام ويتاجر بالشعارات، غابت الطبقة الوسطى المحرك في المجتمع، وغابت الشخصيات ذات الحس الوطني الخالص، وأصحاب المهن النبيلة كالطبيب والمحامي والمدرس والشرطي غابوا في متاعب الحياة وتلوث الكثير منهم بالمال والمصالح الفردية، ولوثوا معهم مهنهم الشريفة.
وهؤلاء الفئة أيضاً أكثر الفئات هجرة للخارج بطرق شرعية أو غير شرعية ولو تعرضوا لموت في الطريق أو ضياع في المجتمعات الجديدة أو انسلاخ من عروبة أو إسلام، ومحاولة بناء أجيال جديدة في الخارج تخدم المجتمعات التي قبلتهم ووفرت لهم أدنى الحقوق وأمنتهم في حياتهم وعلمتهم المسؤولية، وأشعرتهم بحريتهم كبشر.
اليوم ما تشهده بعض مجتمعاتنا العربية من حراك لا ندري إن كان باتجاه العافية أو باتجاه أفق مظلم بالفوضى!



amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء