عندما يقول أحدهم: إن عائلتي عاشت في هذا المكان الصغير منذ آلاف السنين، تزرع الأرض وتحت الأرض، وأرضاً فوقها، وتعامل الماشية على أنها جزء لا يتجزأ من العائلة، حتى أن موت بقرة مثلاً، يستدعي كل طقوس موت أحدنا، بل ويزيد على ذلك بتمريغ الوجوه بالأيادي عن طريق التراب كوسيط. ثم يُعَقِّب هذا الـ”أحدهم”: لكنْ لدي أحلام. وبهذه الخاتمة؛ “لكنْ لدي أحلام”، نفهم أن ثبات أمر الحياة على ما هو عليه، مهما كانت فاعلية جنتها، غير كافٍ، وسيعني أنه لا يريد متابعة تلك الوظيفة “الأزلبدية”، في أحضان السعادة العائلية، مهما كان الهواء سليماً من أدخنة البشر والمدينة، مهما كانت النعمة التي يمنحها الريف للإنسان الفلاح، والإنسان كعاشق لا مجال لفشله في العشق. معكوس الحكاية التي فاتت، حكاية تقول: لو أن أحدهم وضع بيض حمام في عُلبة؛ وأغلقناها إحكاماً لعدم دخول الهواء، وبكثير من الصبر والنسيان، لمدة خمسة عشر عاماً أو يقل أو يزيد بقليل، وفتحناها سنجد البيض وقد صار كهرماناً. لكن لا ننسى أن تكون العُلبة عمياء، أي لا يدخلها نور. خارج القرية أو داخل العُلبة، كلاهما انتقال بقرارٍ؛ نحو قيم مختلفة، مغايرة للمُستقِر -من أوضاعٍ حالية هي دائماً- في الزمن بثلاثيته؛ ماضٍ حاضر مستقبل، حيث الإقرار بحَدَثٍ لا يُغنِي عن تجاوزه، ولا يكف الحلم عن الحلم. إن استمرار كل وضع حتى مع اختلافه دائماً بمُقَدَّرات ظرفية جديدة، لا يفي بإسْمَاد وإطعام الحُلم. الحُلم كلمة لا تشير إلى سلوك، الحلم ليس باباً ومفتاحاً، هو، أزلاً وأبداً، منطقة محرمة على الحالم نفسه، إذ أنه يكاد يكون المعنى العضوي الوحيد في قاموس الحِراك الوجودي، أي أنه سيد أدواته؛ مهما انخدعنا بأننا مُصممو حضوره الدائم في اليقظة والنوم، وقبلهما الفِكر. تشير الحكايتان إلى الرغبة في التجدد الكُلِّي، إلى بدايةٍ غَيرية صِفرية، اعتماداً على قوة دفعٍ غامضة تأتي من الاستغناء -ولو مؤقتاً، ولو مُفَلسَفاً- عما نمتلكه في حيِّزنا المتاح، ففي الحكاية الأولى نمتلك المكان، والثانية؛ الزمان. وفي كلتاهما نشم رائحةً رائجةً لأسطرة العذاب الإنساني. الحلم بفقدان الذاكرة، الانتحار، الهجرة، الإغراق في الضحك هيستيرياً، السجادة الطائرة، العشق الرباني، الرومانسية في علاقتها بالبحر، الشروع في ثرثرة لا تنتهي، تضميد الجِراح بفتحها، اصطياد الصُدَف كَتَجَلٍّ للضرورات وجعلها توارد خواطر، وما إلى ذلك من موائمات حَدِّية، تَفْصِلُ ولا تُوْصِل، لأنها منوطة فقط بأن تكون الهدايا في المناسبات. منوطة بأن تُفقد أي واقعٍ كينونته، ليكون استمراراً لكونه حُلمْاً. إنها علاقة معتادة، كما بين مدير وموظف، فلا الأول موظف، ولا الثاني مدير. كما لو أن ذَرْع المسافات؛ موسيقى جميلة لعالم حزين. قوسُ قزحٍ بكل القدرة على تحريك مؤن القلب، ليس سوى ثمرة كحولٍ صافية على جُرحٍ غير مُنجزٍ بعد. eachpattern@hotmail.com