الانفتاح على الآخر وسيلة ناجحة من وسائل الصحة النفسية. ولا حياة للإنسان من دون العيش وسط أجواء نفسية خالية من الضغوط والاحتباس. فالموظف الذي يقع تحت سلطة وسطوة مدير عصبي غير متزن في علاقته بموظفيه يصاب بأزمات نفسية ويكتسب عادات سيئة كالتدخين أو الإدمان على المسكرات، ما يضاعف وهنه وعلله الجسدية، والتي قد تتطور إلى حد الوفاة. هذا ما أظهره فريق سويدي بعد دراسة أجريت على ثلاثة آلاف شخص. تقدير الموظف واحترام قدراته وتشجيعه على الخلق والإبداع تفتح أمامه آفاق الأمل وتنعش فيه روح التفاني والتفاؤل في حياة أفضل وأنجح وأمتع. أما إذا واجه الموظف مديراً يقمع ويمنع ويردع طاقة موظفيه ويشدد دائماً على التوبيخ والتأنيب وتكسير المجاديف وزرع العقبات أمام أي إنجاز، فإن هذه الحواجز النفسية تؤدي دائماً إلى إحساس الموظف بالإحباط وفقدان القدرة على إنجاز أي عمل ما يقوده إلى ما يسمى الإزاحة النفسية، أي أنه ينكفئ على نفسه ويمارس أساليب مازوخية فظة لأجل جلد الذات، وذلك باكتسابه عادات أشبه بالسياط التي تقوم على تعذيب النفس وإهانتها وإذلالها، وكلما طالت المدة تحت سطوة مدير بهذه الصفات، كلما توغلت الأزمة النفسية في الأعماق، وكلما تطورت الحالة لدى الموظف قد تؤدي إلى خلاصه، ليس من مديره، بل من نفسه. وما تنطوي عليه العلاقة بين المدير وموظفيه، يمكن أن يصاب به الأشخاص الذين يقعون في محيط متشنج، عصبي، مقطب الحواجب في أغلب الأحيان، مكفهر الوجه دائماً، ما يجعل الحياة كالجحيم، وما يثير فزع الطرف الآخر، وإحساسه بالقنوط، ما يجعله يعاني من أسباب التقهقر الذاتي والإحساس بالدونية، والانقباض الدائم. الأزواج الذين يمرون بهذه الأحوال فإنهم معرضون للانحراف والانجراف إلى هاويات مزرية، فالابتسامة صدقة، يغسل بها الإنسان أدران النفس، والمعاملة بالحسنى طوق نجاة من عذابات وانتكاسات، والشعور بأهمية الآخر، قيمة وجودية لا تقدر بثمن. الذين يبخسون الناس حقوقهم في الحياة هم قتلة بوسائل غير وسائل القتل المباشر، وهم أدوات هدم للأشخاص، ومن ثم للأوطان. الذين يمارسون البارانويا ضد غيرهم هم أشخاص يعانون من عقد نقص، لكنهم لايستطيعون التعبير عنها إلا من خلال اضطهاد الآخرين وتحقيرهم وتسفيه ما ينجزونه ليؤكدوا لأنفسهم ليسوا هم فقط الناقصين، وإنما هناك أشخاص آخرون يعانون من نفس العلة. بمثل هذه الأمراض تضيع منجزات، وتهدر قدرات، وتتوه طموحات، وتذوب آمال، وتندثر أمنيات، وتصير الحياة مجرد غاية تعمها الغوغائية، ويحكمها منطق الغالب والمغلوب، وفي النهاية وعند خط التلاقي مع الحقيقة تصبح الأشياء والأشخاص متساوين في الهزيمة النفسية. علي أبو الريش | marafea@emi.ae