السعادة والخلود هدفان لم يتوقف الإنسان عن السعي للوصول إليهما منذ أيام الملك العراقي جلجامش، وبحسب كل التراث الإنساني في الأدب والفلسفة وفي العلم والفن، فإن هذا الإنسان لم يصل للسعادة التي يتخيلها، ولن يحقق الخلود الذي يصبو إليه، ربما لأن قدره أن يعيش على هذه الأرض كادحا مجتهدا عاملا لغاية كبرى أعظم مما نتخيل، ومع ذلك فإن البحث عن السعادة وتخيلها واشتهائها أمر مشروع لنا جداً، وقد قرأت يوماً أن الإنسان إذا أراد أن يعيش سعيداً “فعليه ألا يحلل كل شيء، ويستفسر عن كل شاردة وواردة، وأن لا يتتبع كل ما خفي وكل ما ليس معلوم له، فإن الذين حللوا الألماس وجدوه فحماً” !! وعليه إن أراد أن يعيش سعيداً عليه ألا يفكر في الشيخوخة ولا في تقدم العمر ولا يذهب بعيداً في فكره إلى الخرف والزهايمر، ليدع كل ذلك لله ولينس ذكاءه في الرياضيات والأرقام. وباختصار: لا تحسب عمرك بالدقيقة واليوم من باب الخوف من الكبر، لكن لا بأس إن كان من باب الخوف من الله. ولا تمض عمرك مع أناس يعشقون النكد، بل صاحب الأصدقاء الذين يحبون الفرح ويبتسمون لواقعهم، الذين يستقبلون يومهم ببهجة وبأكبر قدر من التفاؤل، فالصديق النكد يقرب خطاك نحو الكآبة بالتأكيد. “لا تتوقف عن التعلم” وقد كنت أقرأ كتاب “طعام، صلاة، حب” الذي تحول منذ مدة إلى فيلم سينمائي من بطولة جوليا روبرتس، فوجدت هذه النصيحة قد غيرت حياة المؤلفة التي كادت تنزلق الى حالة نفسية كارثية لولا أنها قررت وبشكل مفاجئ أن تعاود دروس تعلم اللغة الايطالية بالرغم من مضي زمن طويل على تركها، وقد غيرت هذه الدروس حياتها تماما، لنتعلم الكمبيوتر، الحرف اليدوية، الزراعة، أي حرفة، أي شيء فقط لنتعلم، لا نعطل أدمغتنا أبداً كي تظل تعمل دائما، لأن الدماغ المعطل والساكن مصنع لتكوين الزهايمر، كما ذكر أحدهم. والاهم أن نستمتع بالأشياء البسيطة، بكل شيء نراه، بطعام لذيذ مع العائلة او الأصدقاء، باجتماع عائلي حميم، بمشهد أطفال يلعبون، بفيلم جميل، بزيارة حميمة، المهم أن نعيش اللحظة الحلوة وان نستمتع بها. إن الشخص الوحيد الذي يستمر معك طوال حياتك هو ‘أنت’، فلا تحمله ما لا يطيق طوال حياته، وطالما انك على قيد الحياة فعش هذه الحياة بكل تفاصيلها: بجنونها وسخافاتها وفرحها وألمها وعظمتها، وتوقف عن انتظار الاشياء التي لم تأت بعد: التخرج والزواج، الوظيفة والاطفال، توقف عن كل ما يأخذك من حياتك الواقعية ويعلقك في المستقبل المجهول، المهم ان لا تتذمر كثيرا من هذا الواقع: لا من مشوار الجامعة ولا من طول الطريق للعمل ولا من شمس الظهر الحارقة، لأن كل ما تمر به الآن هي مجرد أمور مؤقتة ستنتهي في وقت ما ! الصباح لم يخلق لـ”فيروز” وأغنياتها فقط، بل خلق لنا جميعا أيا كان لون سمائه وطبيعة شمسه فعلينا ان نعيشه كما منحنا اياه ربنا. عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com