وكان أنّ قابيل قام على هابيل أخيه، إذ هما في الحقل، فقتله. لهذه الحكاية في الكتب المقدسة دلالتها على غيرة الأخ الأكبر من الأخ الأصغر. والراجح أن الذاكرة الجماعية التي احتفظت بهذه الحكاية هي التي ستحوّلها إلى عقدة مركوزة في قاع النفس البشرية. لذلك ما دام الأكبر هو المسيطر والأشهر والأذكى تكون علاقته بأخيه الأصغر قائمة على التراحم أما إذا انقلبت المعادلة وتفوّق الأصغر فإن قابيل يطلع من مدن الأعماق مدججاً بالغيرة والحسد. هذه العقدة هي التي تحكمت بمصير المخرج السينمائي الكبير فرانسيس فورد كوبولا Francis Ford Coppola الذي يعتبر ملكاً في دنيا السينما، لا سيما بعد إنجازه لروائع مثل “الأفول الكوني الآن” Apocalyse Now و”العرّاب” Le Parrain وبقية الأفلام التي ملأت الدنيا واجتذبت الناس. عن هذه اللحظة التي يضيق فيها الأخ الأكبر ذرعاً بأخيه الأصغر يحدثنا كوبولا قائلا: “أخي أوغست A g st أكبر مني بخمس سنوات. كان نجم العائلة وفخرها. كان بارعاً في جميع الميادين: الأدب، السينما، رياضة البيزبول، العلاقات الغرامية. كنت أطمح إلى أن أصبح مثله. وكان يعينني كثيراً”. لكن علاقة كوبولا بهذا الأخ ظلّت تؤرقه طيلة حياته. لذلك حولها إلى شريط سينمائي أنجزه سنة 2009 واختار له عنوان “تيترو” Tetro. جاء الشريط ليستكشف الجانب المظلم من قيمة الأخوة. يتوسّع كوبولا في الحديث عن علاقته بأخيه أوغست هكذا: “كنت دائماً أتطلع إلى أن يصبح أخي أوغست ما يحلم أن يكون: كاتباً كبيراً. كان أذكى مني بكثير، لكن الأخ الأصغر لا يستطيع أن يساعد من يفوقه سنّا. قرأت ما كان يكتب. وأعتقد أنه كان يمكن أن يصبح أديباً لامعاً، لكن متطلبات الحياة عصفت بكل مواهبه”. ويذكر كوبولا أن أخاه أوغست وقّع أول كتاب له باسم مستعار هو أوغست فلويد كوبولا Floyd Coppola A g st ثم قام بالتخلي عنه خشية أن يتهم بأنه يقلّد أخاه الأصغر، لا سيما بعد أن لمع نجمه في عالم السينما. يقول كوبولا: “عندما دخلت عالم السينما قلّدت أخي أوغست واخترت اسماً مستعاراً هو فرنسيس فورد. وعندما لمع نجمي وذاع صيتي تخلّى أوغست عن اسمه المستعار خشية أن ينعت بكونه يقلّد أخاه الأصغر”. هكذا اندست عقدة قابيل في صميم فكرة الأخوة. لكنها ستتعدى العلاقة بين الأخوين المتحدرين من أمّ واحدة لتشمل قيمة الأخوة ذاتها. فلقد كان كوبولا يعتبر George L cas أخاه الأصغر. وهو الذي أخذ بيده واقتاد خطاه على درب النجاح. لكن كوبولا لا يخفي غيرته منه. يقول: “اعتبرت جورج لوكاس أخي الأصغر. أنا الذي أنتجت أول فيلم من أفلامه. لكنه سرعان ما أصبح أكثر مني شهرة وثروة”. حتى لكأن كل أخ أصغر، عندما يتفوق على أخيه الأكبر، إنما يثأر لهابيل القتيل.