صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر

كيف نرى الأشياء ونحن صغاراً، هل تختلف مقاييس أحجامها وأطوالها وأبعادها؟ هل لقاماتنا الصغيرة يومها سبب، أم أن الزمن وأدواته الجديدة تقزم ذلك القديم؟ هكذا كانت أول مرة تلتقي عيناي بعد مرور أربعين عاماً بمستشفى النعيم في المنامة، ذلك المستشفى الذي تطببت لأشهر طويلة، حينما أنكسرت الرجل اليمنى بكسور مضاعفة، وبعض الأضلع، ورضوض في كل مكان.
يومها كنا في النصف الثاني من الستين، ولا مستشفى غير “كند” في العين، الذي ما أن أبصرني الدكتور كنيدي حتى قال لا نقدر على تجبيره وعلاجه، فأخذتني طائرة مروحية إلى أبوظبي، وبت ليلة واحدة لكنهم عجزوا عن فعل أي شيء، فأمر الشيخ زايد- طيّب الله ثراه، ولا انقطع أجره وثوابه- بإرسالي إلى البحرين مع رسالة خطية منه إلى المرحوم عيسى بن سلمان أمير البحرين لعلاجي وطبابتي عندهم، فلم يقصروا، وأغدقوا عليّ من العناية والاهتمام والحنان الكثير.
فقد كنت في الثامنة، وأشياء كثيرة يمكن أن تستدعي دمعتي، يكفي أن تتذكر الأم، والعين وما فيها مني، رغم وجود الأب، لبعض من الوقت، فكانت غرفتي أراها في تلك الأيام عالية، وتطل على البحر، بحيث أرى المراكب والأشرعة ومغيب الشمس، ويوم الجمع تصطحبني الممرضات إلى المزارع حيث كنت أحظى برؤية مياه جارية كأفلاج العين، ونخيل مثل نخيلها، ويحممنني بكثير من المودة، وأكل الجمعة معهن كان مختلفاً عن طعام المستشفى الذي يشعرني دائماً أن فيه شيئاً من الدواء، خاصة تلك البازلاء الخضراء السابحة في المرقة الحمراء، والتي تنغص عليّ حتى اليوم وجبتي إن كانت فيها.
في تلك الفترة تعرفت على صديق جديد، كنت أسمع عنه، ولا أعرفه، كان التلفزيون، وكان يومها بالأسود والأبيض، يلتقط أرامكو والبحرين وإيران، ولكن بطريقة مشوشة، فظللت أعتقد لسنوات طويلة أن صورة السينما أصفى، وأن التلفزيون صوره مهتزة ومشوشة، عدت من البحرين، ورجعت لها مرة أخرى في ذلك العمر، وبقيت البحرين في ذاكرتي أناس طيبون حد الرحمة، اجتماعيون ومتواضعون، ولهجتهم طرية كرطبة هامدة، وأنهم متطورون ومتعلمون قبلنا، وبلدهم لا تستوحش منها.
ومع نهاية كل علاج كنا نذهب ونسلم على المرحوم عيسى بن سلمان ونترخص منه، والذي يشعرك بطيبته وكرم نفسه قبل أن تتبادى عليه، فقد كانت تستهويني خنجره المذهبة، وثيابه الشَدّ، وعقاله المقصب المميز، تعددت زياراتي حينما كبرت للبحرين، لكنني لم أفكر أن أزور ذلك المستشفى، ربما التوجس فيما يمكن أن أراه، ربما كنت أريد أن أحتفظ بما تحمله ذاكرة الطفولة الأولى، وربما الخوف أن لا أتذكر شيئاً مما مر بي، غير أنني قبل أعوام ذهبت خصيصاً لزيارة المستشفى، فلم أعرفه فقد بدا يتيماً، حاطت به المباني، وغدا قزماً تجاهها، وابتعد البحر عنه، وغابت الحياة منه، فقُتل شيء جميل في الذاكرة!


amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء