هل يمكن لكائن من كان أن يلغي يوماً من تاريخ أية أمة أو أي شعب من الشعوب ؟ هل يمكن أن يلغي الألمان المعاصرون مثلاً تاريخ بلادهم في الفترة التي حكمها هتلر وساق فيها ألمانيا وأوروبا، بل والعالم كله إلى حروب كارثية أبادت ملايين الأشخاص ودمرت آلاف المدن ؟ لم يفعل الألمان ذلك وبرغم الكراهية التي يكنونها له إلا أن هتلر موجود في التاريخ وفي الجغرافيا، في المتاحف والقصور، في المدن والنصب التذكارية ، في كتب السياسة والتاريخ ومناهج المدرسة، لسبب منطقي هو أن هتلر لم يكن يتحرك في مزرعته الخاصة ، لقد كان يتحرك في ألمانيا ويحرك العالم من خلال ذلك!
وهل كان بإمكان عبدالناصر مثلاً بعد أن قاد ثورة الضباط الأحرار ضد الأسرة المالكة في مصر عام 1952 أن يلغي تاريخ مصر في الفترة التي حكمت فيها الملكية منذ محمد على باشا وحتى الملك فاروق لأنه من وجهة نظره تاريخ مليء بالطغيان والظلم وقهر إرادة الإنسان المصري مثلاً ؟ فماذا لو فعلها الألمان وعبدالناصر ونابليون بقرار رئاسي ؟ ماذا سيتبقى من تاريخ الشعوب والبلدان إذا كلما جاء حاكم ولم يعجبه تاريخ من سبقه شطبه بجرة قلم وقرار؟
تاريخ البلدان هو تاريخ الشعوب ، وظلم الطغاة هو عمر أجيال ، رجال ونساء وشباب وأطفال هم الذين ظلموا وقهروا وسرقت أعمارهم وسجنوا وقتلوا بلا سبب ، كيف يمكن أن يلغى كل ذلك لأن البعض قد فهم أن التاريخ هو لعبة بين منتصر ومهزوم ؟ بين طاغية وانقلابيين ؟ بين هتلر ومعارضيه ؟ بين فاروق وعبدالناصر ؟ بين صدام حسين والحكام الجدد في العراق ؟ أي بين أشخاص يعتقدون أن التاريخ هو لعبة مسلية لكتابة التاريخ الشخصي لرجال حكموا العالم في لحظة تاريخية تم التخطيط لها أحياناً وجاءت بالصدفة أحياناً كثيرة؟
صحيفة “نيويورك تايمز”، في تقرير لها قالت إن الحكومة العراقية ألغت صدام حسين من كتب التاريخ في المدارس والجامعات ، كما تجنبت ذكر الغزو الأجنبي باعتباره غزوا فلم يتم التطرق إلى حقبة صدام حسين التي استمرت 35 عاماً إلا عبر كلمات مثل سقوط الديكتاتور عام 2003 أو جرائم النظام السابق، بينما تم تجنب ذكر الغزو الأميركي بسبب وجود خلاف بين التيارات المتصارعة والمختلفة في العراق فهناك من يعتبر الوجود الأجنبي عملية مساوية لحرية العراق ومن يراه احتلالاً أجنبياً.
هذا الخلاف لايمكن أن يكون في أي مكان سوى في عالمنا العربي أو النامي كما يسمونه ، فقد أزيح تمثال ماوتسي تونج من ميادين كثيرة في الصين بمجرد وفاته ، كما أزيل تمثال ستالين في بعض مدن روسيا، واحتفظت تركيا بصورة أتاتورك كصورة رئيسية في كل مؤسسات الدولة التركية رغم مرور زمن طويل باعتباره رمزاً، بينما احتفظت الولايات المتحدة برؤسائها كأيقونات لا تمس عبر تماثيل غاية في الضخامة ( كنصب ابراهام لنكولن في العاصمة واشنطن والرئيس جيفرسون مثلا ) دون أن ننسى التخليد الأكبر لهم على أوراق الدولار العملة الأولى في العالم !!
وبعيداً عن أدوار هؤلاء ومكانتهم ومساهمتهم في إعلاء شأن بلادهم ، والفرق بين دورهم والدور الإجرامي الذي لعبه صدام وهتلر في مسيرة بلدانهم ، إلا أن إلغاء التاريخ عمل أقرب للحماقة ، فـ 35 عاماً من تاريخ العراق لا يمكن اختصارها بجملة مثل “سقوط الديكتاتور عام 2003 أو جرائم النظام السابق”.


ayya-222@hotmail.com