أذكر المرة الأولى التي قرأت فيها رواية “مائة عام من العزلة” للكاتب الكولومبي جارثيا ماركيز لم أكن أعرف اسم الكاتب من قبل، فقد كنت في مطار نيويورك أنتظر الطائرة التي تحملني إلى القاهرة عبر استراحة في عمان، وكنت أعرف أن الرحلة طويلة، فقلت لنفسي: اشتر رواية أكبر حجما من غيرها حتى تقضي على ملل الرحلة، وبالفعل، وجدت رواية سميكة يقترب عدد صفحاتها من الرقم خمسمائة أو يزيد، فاشتريتها بلا تردد، ووضعتها فى الحقيبة الصغيرة، وما إن استقرت الطائرة في السماء، حتى بدأت أطالع الصفحات وأقرأ مندهشا، فقد فوجئت بعالم غريب عجيب لم يكن لي به عهد فى الرواية من قبل، كائنات حسية إلى درجة الشبق الدائم، دماء تمضي في الطرقات، كأنها رسائل لا تتوقف إلا عند من تريد الوصول إليه، علاقة سفاح المحارم ذات تبرير ايديولوجي فكه، تحولات سحرية، اختلاط الواقعي بما هو غير واقعي، غنائيات من الفحولة الجنسية لا تنسى، وهل يمكن أن أنسى العاشق الذي مسح جسد حبيبته بعسل النحل، كي يمارس عليه شعائر حبه؟ وما أكثر العجيب والغريب في الرواية: اختلاط مقاومة الاستعمار الاستيطانى، والنضال ضد الحكام المستبدين، ممزوجة بالأساطير والتحولات السحرية التي تلقي بالقارئ في الغريب والعجيب الذي أصبح علامة على أدب أميركا اللاتينية، ولم يكن مصطلح “الواقعية السحرية” قد ظهر بعد، فقد ساعدت “مائة عام من العزلة” على إيجاده. استغرقت في قراءة هذه الرواية إلى أن أعلن مضيف الطائرة أن علينا الاستعداد، ونزلنا إلى المطار، فقد كان علينا الانتظار ساعتين إلى أن تأتي الطائرة التي تحملنا إلى القاهرة، فبحثت عن مكان هادئ، وبيدي الرواية أكمل قراءة ما تبقى لي منها، وبالفعل انتهيت منها، وأنا أسمع النداء على طائرة القاهرة، فذهبت إليها. وفي الطائرة ظللت استرجع صفحات لا تزال عالقة في ذهني، فعرفت معنى الواقعية السحرية تطبيقا، قبل أن أعرفها تنظيرا، وكان أول ما فعلته، بعد عودتي، أن أخبرت زميلي سليمان العطار أن يقوم بترجمتها عن لغتها الأصلية، وهي الإسبانية، فأخذ مني النسخة الإنجليزية التي قرأتها في ترجمة أزعم أنها جيدة، وحصل على النص الإسباني الأصلي، ولم يمض وقت طويل حتى صدرت الرواية في بيروت مترجمة عن الفرنسية، وظللت ألحّ على العطار إلى أن يكمل الترجمة إلى أن فرغ منها، وساعدته على نشرها في الهيئة العامة للكتاب، وكانت الترجمة العربية الأولى عن الأصل مباشرة، وقرأت الترجمة ولكن الفارق كان كبيرا بين متعة القراءة الأولى ومتعة القراءة الثانية، ذلك رغم جودة الترجمة، ونسيان زميلي أن يذكرني بكلمة شكر على تقديم الرواية إليه. ولم أفاجأ بعد ذلك بحصول ماركيز على جائزة نوبل، ففرحت للرجل الذي ظللت أتابع كل رواياته الجميلة والرائعة، لكني لم أشعر مع أي منها بما شعرت به وأنا أقرأ أشهر رواياته، معلقا بين السماء والأرض..