ما بين الحرب الباردة والساخنة غروب لحضارات وهروب لقيم ونضوب لأحلام وشحوب لأمنيات وأحداث مريبة وحرية مهيبة وأسئلة عجيبة وعلامات استفهام تكبر حجم القارات الخصيبة والخضيبة بالدماء والاكتواء والانزواء في قيعان الدمار وآفاق التذمر والاندثار· ما بين روسيا وأميركا اليوم أشبه ما يكون بالنيران المختبئة تحت ركام رماد، وما بين روسيا وأميركا لهيب قد يمتد ويحتد ويشتد ويقد ويهد كل ما بنته الحضارة الإنسانية، والعالم اليوم لم يزل تحت وطأة الإرهاب وشواء الأجساد وتأجيج الأحقاد، فإذا به يصحو على طرقات ثقيلة أثقل من مطارق ستالين ومناجل لينين، يصحو، العالم ويقرأ ويتهجى الكلمات النارية في الصحف عن حرب قد تأكل الأخضر واليابس، وتقضي على الحلم البشري في غمضة عين، روسيا تهدد، وأميركا تتوعد، والعالم يرصد، وشعوب الدنيا ترتعد من برق ورعد قد ينزل كسفاً وخسفا ونسفاً وعسفاً على أحوال البشرية التي تنتظر من الكبار العقل والفطنة والحنكة· وعلى الرغم من فرحة العالم بانفراج بعد ضجيج وعجيج العضلات المفرودة بحق الدول الصغيرة، إلا أن النبرة الأخيرة في القوقاز أيقظت هماً راكداً، وغماً راقداً وسقماً هامداً حين اجتاح الجار الكبير أراضي الجار الصغير، وأسقط المواثيق وسار بشطط نحو التصعيد البعيد والقريب من الهدم والعدم· ماذا لو فعل الإنسان غير ذلك؟ ماذا لو تخلى الإنسان عن البندقية وتأزر بالقيمة والشيمة البشرية، وأهدى حباً للأرض، أي أرض، مضمخة برياحين التآلف والتكاتف والانسجام والاحترام للآخر مهما كان صغيراً·· لا حرب باردة، ولا ساخنة يمكن أن تعيد للإنسان شروقه، ولا فرد العضلات يمكن أن يخلص الإنسان من حروقه، فالسلام وحده بلسم النماء والانتهاء من ربقة الفقر والجهل والمرض·· فكم من النيران في هذا العالم من شرقه الى غربه أشعلت فأحرقت وأبادت وسيدت الحماقة على اللباقة، ولم تحل قضية ولم تطعم مطية، ولم ترفع ضيماً، ولم تقشع غيماً، ولم تمسح دمعاً، ولو أن الإنسان حكم العقل لاستراح وأراح، وأعطى كل ذي حق حقه المباح، وصارت الدنيا باحة نواحة بلا جراح·· لو أن الإنسان تخلص من عقدة التفوق والتفرد والأنانية لعاشت البشرية في نعيم بعد جحيم، وناخت فوقها عند الحلم الحليم، وبلا شيطان رجيم ولا آثم لئيم، ولا هماز مشاء بنميم· لو فكرت البشرية وبخاصة تلك التي تنتمي الى الترسانات والحاملات والناقلات والسابحات في البحار، والجاريات في الصحاري والقفار، لو فكرت بما تخلفه الحروب من مآس وكوارث كروب، وانتصرت للعقل لحرمت الكثير من الحمقى من شهوة التدمير والتكسير، ووفرت لقمة العيش الهانئة لملايين البشر الذين لا يجدون قوت النهار، ولا فرحة الغد المسلوب المنكوب المغلوب، المسكوب حرائق وطرائق· لو فكر الكبار بمصير الشعوب لما فردت عضلات، ولما فتحت جروح وجبهات· لو فكر الكبير بالعدل الإنساني والكوني لنامت الأعين قريرة هانئة مستقرة لا يسغبها تعب، ولا يشطها سغب، ولا يشفها غضب، ولا يهلكها نكب، ولا ينهكها قارع مغتصب· لو فكر الكبار بالعقل لاستغنى العالم عن كل هذه التجارب البشرية الفاشلة في صناعة الأوهام على أنغام الغدر والطغيان، لو فكر الكبار لاستراحوا وأراحوا الصغار من مغبة قادم لا يعرف مداه أحد إلا الفرد الصمد·