ذات يوم كتب أحد الصحفيين العرب مقالاً تعرض فيه للفساد في دولة عربية غير دولته، ولقد قال وفند وذكر وشرح بحيث لم يترك شاردة ولا واردة لها علاقة بهذا الموضوع إلا وذكرها، ناسياً أو متناسياً ـ وهذا هو الأرجح ـ أن بلاده العزيزة لا تخلو هي الأخرى من الظاهرة نفسها، ظاهرة الفساد، ولقد حدث أن دار حوار حول الموقف الأخلاقي للكاتب الذي بإمكانه أن ينتقد الفساد أو الجريمة أو أعضاء البرلمان في بلد معين، بينما لا يمكنه أن يقول كلمة واحدة حول الفساد في بلده أو حول تجاوزات المسؤولين مثلاً أو رجال البرلمان على سبيل المثال!
يقول أحد الزملاء إن هذه الظاهرة تشبه أولئك الأشخاص الذين لا يمكن للواحد منهم أن يحك ظهره بنفسه فيقوم شخص آخر بحك ظهره بينما يقوم هو بحك ظهر زميله وهكذا، لذلك فحينما سئل الصحفي لماذا لا تنتقد بلدك وهو ليس خالياً من الفساد على أية حال؟ أجاب بسخرية: لأن هناك من سيقوم بهذه المهمة في بلد عربي آخر!!
القضية ليست في أن الصحفي لا يريد أن ينتقد نظام الإدارة أو التعليم في بلده، وليس لأنه يعتقد أن بلده مثالي وخال من الأخطاء فلا سذاجة في الصحافة، ولكن هناك مساحة لايمكنه أن يتجاوزها، هذه المساحة هي ما يتعلق بقانون المسموح والممنوع في النقد عبر وسائل الإعلام، وللأسف فما زال القائمون على الإعلام يعتقدون أن الصحفي الذي ينتقد الخطأ في بلاده شخص مشاكس أو يقف موقفاً مضاداً لإنجازات الوطن، بينما الحقيقة أن النقد هو الطريق الأكثر أماناً للحفاظ على منجزات الوطن بشرط أن يكون النقد هادفاً إلى تأسيس خطاب نقدي وليس مجرد النقد بهدف النقد.
مشكلتنا في مسألة الخطاب النقدي ليست فقط في ضيق مساحات النقد أو ضيق صدر المسؤولين أو ضيق صدر بعض التيارات الدينية والفكرية عن تقبل النقد، مشكلتنا الكبرى في أصحاب مشروع النقد، فأحياناً يتم اختلاق أزمة وإشغال الرأي العام بها لفترات طويلة، مع استهلاك كميات لا محدودة من الكلام وحبر الجرايد وموجات الأثير دون أن نخرج في النهاية بنتيجة تؤسس لتراكم إيجابي، فيما يتعلق بإعلاء قيم الإصلاح والتغيير والسعي للأفضل وتقبل الرأي الآخر ورفع سقف حرية الرأي والتعبير.
إذن فلماذا كل هذه الضجة حول القضية طالما أننا لن نجيرها لصالح الهدف؟ بصراحة، لأنه لا وجود لهدف من الأساس، وهنا تصبح الكتابة الناقدة كتابة فارغة، تشبه أكل الهواء أكثر مما تشبه أكل العيش!!
إن طريقة حك ظهري وسأحك ظهرك، لا تؤسس لخطاب ناقد أبداً، وهي لا تعمل بديناميكية وقوة سوى في عالمنا العربي ، أما في الغرب مثلاً، فإن النقد لكل جوانب وتفاصيل الحياة أسهل من تناول كأس ماء، حيث مواجهة الخطأ فضيلة والاعتراف به حضارة، لأن الحضارة الغربية المعاصرة نفسها قامت على الفكر النقدي التجريبي، وبواسطة هذا الفكر غيرت أوروبا نفسها وغيرت العالم، ولم تعد بحاجة لتمارس دوراً وموقفاً مزدوجاً ومتناقضاً، تبدو فيه كنعامة ضخمة تدس رأسها في الرمال باحثة عن أخطاء الآخرين بينما الأخطاء تحيط بها من كل جانب.


ayya-222@hotmail.com