كرَّت نفسها السنون والأيام وغاب وعداً كنت قطعته على نفسي أن أصل إلى “برقا الليان”، والخال الذي وعدني أن يذهب معي إلى هناك ويجول معي في محيط “البرقا” وتحتها ومراعيها قد أتعبته السنون وهدَّه العمر والمرض والذي أدعوا الله أن يشفيه، فهو على كل شيء قدير. كانت حمامة الصغيرة تسرح خلف الأغنام وتستريح وتلعب تحت البرقا وفوقها محتضنة صغار الماعز مع الصغار الذين يشاركونها اللعب في الصباحات والمساءات الشتوية، وفي الصيف تعود إلى الساحل الذي لا يبعد كثيراً. سنوات مرت بين الانتقال من برقا الليان والساحل، المسافة في الماضي قد تكون بعيدة نسبياً بين المنطقة التي تقع جنوب جبل علي، حيث المراعي والبرقا، التي لا أعرفها وإن سمعت الخال يذكرها كلما استدعى ذاكرته القديمة جداً. ولأنه يحب أخته كثيراً، حمامة التي ودعتني وأنا صغير وتركته وحده يدير ذاكرة الطفولة، التي أتعجب من تفاصيلها وقسوتها. عندما قلت لطفلتي الصغيرة شمسة يوماً، أن أمي حمامة، ضحكت كثيراً، وقالت: كيف تكون أمك حمامة، أنت مجنون، ثم تركتني وهربت، ولم تستوعب ذلك إلا بعد أن كبرت. في مهرجان السينما الخليجي، الأخير الذي انطلقت فعالياته في دبي كنت حريصاً على مشاهدة فيلم “حمامة” الذي كتب السيناريو له الأخ الشاعر خالد البدور ونفذته وأخرجته الشاعرة والفنانة نجوم الغانم. كنت حريصاً على مشاهدة هذا الفيلم للتداعيات الكبيرة في نفسي نحو اسم هذا الفيلم وأيضاً متابعة ما تقدمه نجوم الغانم وخالد البدور من أعمال وثائقية قيمة ومهمة، حيث شاهدت لهما في السابق فيلم “العبار” الرائع الجميل الذي يوثق بالصوت والصورة الحياة القديمة في خور دبي، ثم قدما فيلم “المريد” وهو الآخر أيضاً فيلم مهم عن الحياة الصوفية والدينية والطرق القديمة في إحياء الذكر والمالد في الإمارات ودبي على وجه الخصوص. “حمامة” امرأة من الماضي وهبها الله موهبة المعرفة الواسعة والمهمة في الطب الشعبي، فقد شفي على يدها الكثير من أبناء منطقة الذيد موطنها وأبناء الإمارات والخليج العربي، حيث يتقاطر عليها ناس كُثر، كلهم يعودون بعد علاجها وقد ذهبت علتهم ومرضهم، هذا بالإضافة إلى أنها داية بارعة، كانت محل الطبيبة النسوية في الذيد ومناطق أخرى، وأيضاً هي أم ومربية وصاحبة “حلال” وعالمة بالأعشاب ومنتجة للألبان والسمن البلدي والأجبان المحلية. إنها إنسانة عظيمة في محيطها، عصامية صنعت نفسها واعتمدت عليها في إدارة شؤونها، وعندما يقدمها هذا الفيلم الوثائقي فإنه يقدم إنسان الإمارات في الماضي الصعب، الذي يخرج منه أيضاً أناس مهمون جداً مثل هذه المرأة حمامة، الرائعة الجميلة التي أحببتها كثيراً جداً مثل والدتي. Ibrahim_Mubarak@hotmail.com